أن تكون ملاكاً

لجيراننا أُلفة شديدة مع الشارع , أصواتهم , تصرفاتهم , أحاديثهم , صيحاتهم و ضحكاتهم تمتزج مع الرصيف و الرياح و البلاطات و لا تتغير من وسط المنزل إلى وسط الشارع  كما لو أنه امتداد لغرفة معيشتهم . كل بيت هو ملك لمن من يجاوره , كل باب قد تُرك مشرعاً بخفوت و يمكنك بدفعة إصبع واحدة أن تكون جزءاً من الحياة الدائرة بداخله . لذلك , يبدو الشارع هنا كأنه رئة واحدة تتشعب فيها الأبواب تنبض بذات النفس . ربما لسوء الحظ أو حسنه أن بيتنا ينأى بنفسه بعيداً عن هذه الأجواء الحميمة , نظراً لبروز ثلاث شجيرات كبيرة خضراء صيفاً و شتاءً لا تسقط عنها الأوراق على مدار السنة تحجبنا تماماً عن العالم الموازي الذي ينبض أمامنا .

في ثاني سنة من انضمامنا إلى المربع السكني الذي نعيش فيه و المسمى بإيحاء  ما ” مربع شم الورد” حللت ضيفاً باكياً يملأ النوافذ ضجيجاً , و في الاحتفال بالأسبوع الأول من مولدي كانت خالتي الصغرى تطوف على البيوت توزع “السفنز” الساخن على الجيران – ولا أدري بحق الله لما كانوا يفعلون بذلك- حيث عند تجوالها بفستانها المزين بشريط وردي هائل الحجم كما لو أنها هدية قد قاموا بلفها التقت بطفلة بشوشة الوجه متباعدة الأسنان ذات بشرة برونزية , تبادلا الأسماء , بخجل من الأولى و بثقة كبيرة من الثانية , و في بادرة على رغبة نقية في تكوين صداقة مع الفتاة الجديدة التي حلت على شارعهم أفصحت الطفلة لخالتي بسرها الأول : “خوي ياخد في الحشيش “. و قد كانت هذه جارتنا ملاك التي ملأت الشارع حياة طيلة عشرين سنة أخرى .

كن ننهض يومياً على صوت العصافير التي تقطن الشجيرات الثلاث بأعداد مهولة و على صوت “ملاك” تطل على الشارع تحيي الجيران من فوق شرفتها بصوتها الحاد والدافئ في آن واحد , و ما أن نخرج من باب المنزل حتى نراها كعادتها  تكنس من أمام باب بيتهم حتى أسفلت الشارع في نشاط و حماس ملتهب بملابسها المنزلية بدون غطاء للرأس كما لو كان الجميع إخوة لها و لا شيء يحجبها عنهم .

ملاك جارتنا كانت سعيدة , كانت حياتها تبدو لي من خلف وريقات الشجر غاية في الصخب و غاية في الخفة , لم تكن تعزل نفسها في حجرة واحدة كأغلب الفتيات هنا , كنت لتراها تضرب الأرض بساقيها تشق طريقها إلى جارتها أو إلى المحل المجاور تبتاع إحدى النواقص ,  تخاطب العجوز و الطفل و الشيخ و الشاب و تحييهم و تسأل دائما عن أحوالهم و كذلك أحوال أهلهم و أصحابهم في أحاديث يومية تخترق جدارك الأسمنتي و تقع مباشرة في أذنيك . و بذلك تكون أنت مطمئناً , بأن الحياة خارج العزلة التي تلفك تسير علي خير ما يرام .

ثم جاء ذاك اليوم , في ليلة عاصفة بالأمطار , رأيتها كما لم أرها من قبل , يغطيها البياض بالكامل و تحوم حولها السيارات و الأضواء و الزغاريد . و على عكس ما كان متوقعاً سار حفل زفافها المنتظر بهدوء و بسرعة . كما لو أنها تهدأ إلى الأبد .

غادرت ملاك إلى عشها الأخير , و حل الهدوء على الشارع , نضبت الكلمات و النداءات . تركت لي حِملاً ضخماً -كآخر فتاة عازبة تقطن مربعنا السكني- في استمرار بث صخب الحياة من خلف الشجيرات مواكبةً لصوت الريح و العصافير و القطط و الأطفال الباكين و الصارخين في الشارع , غير أنه منذ تلك الليلة غرق شارعنا في صمته المميت , فقد فاتني أن أكون ملاك .

الإعلانات

5 أفكار على ”أن تكون ملاكاً

  1. عبقرية يا فتاة في الوصف، اسلوب جميل، احببت متابعة طريقة وصفك، كيف اخذتيني من حي به اطفال و اشجار عزلتكم عن باقي الحي الى زواج و عرس.
    السؤال المحير هل هي قصة واقعية ؟ ام نسيج الخيال قم بنسجها ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s