اعتقال

 قسم الهندسة المدنية يذكرني بالمحاكمة لكافكا-أذكر اسمه مجددا للمرة المليون أنا أعلم!- فأنت تشعر بأنك متهم على الدوام بذنب لا تفهمه و لكنك تؤمن به, تركض من حجرة إلى أخرى داخل ممرات ضيقة مليئة بالأجساد البشرية المثرثرة التي تحشر نفسها  داخل الحجرات بلا أدنى مبالاة. مرتبط بالعديد من الأوراق التي يجبرونك على أن تعتقد بأنها مهمة لأن تعيش كالهواء الذي تتنفسه و يعطونك رقماً ل”قيدك” بكل صفاقة, أنت لست سوى الرقم 022134974 هناك, لا أحد يهتم بإسمك و من تكون و ما وراءك, كل ما عليك فعله أن تبريء تهمتك في أن تكون داخل القسم قبل كل شيء. هو باب مفتوح لك وحدك بجانبه مجموعة من الحراس, في كل مرة ترغب في الدخول يخبرونك أن الوقت لم يحن بعد, تمر الأيام و أنت تهرم و تنتظر دورك رغم أنك تعلم جيداً ان هذا الباب المفتوح من أمامك لك أنت وحدك, تجهد نفسك على تقبل الأمر و تستمر في التنقل بين الحجرات و ملء الأوراق و النماذج و المرور من محاكمة إلى أخرى من بين يدي مجموعة هائلة من القضاة المزاجيين الذين لا يفهمون قضيتك في كل مرة, و تعيد شرحها من جديد ..”أريد فقط أن أمر, أنا بريء من كل هذا, لم أفعل شيئا لتتم محاكمتي الشهر تلو الآخر”. لكن أولئك الذين يملكون بعضاً من أسرار المكان و الذين تجدهم في الزوايا يجمعون الأوراق المتساقطة أو يعيدون ترتيب أسماء المتهمين, أو يقفون في نهاية الممرات لمنح خبراتهم مقابل الأموال, يخبرونك بأنه لا وجود لحكم بالبراءة هنا, و ما عليك سوى أن تمضي حتى يأتي دورك لتخرج من الباب بنفسك دون مساعدة من أحد. تخشى أحيانا أنك لن تستطيع حمل قضيتك حتى النهاية مرورا بمحاكمة تلو الأخرى, إذ أن القسم يشتهر بعدم احتوائه على أي شكل من أشكال العدالة و لن تفيدك أي طعون. نستيقظ نحن كل صباح كما لو أن أحداً ما قد افترى علينا دون أن يكون من شأننا أن فعلنا شراً لنجد أنفسنا في رواق القسم نلاحق الدقائق حتى لا تغلق أمامنا الأبواب و نجري المحادثات التي لا طائل منها ..
“خيرك تأخير لتوا؟”
“الزح..مة..الطر..ي..ق..
“الساعة كم توا؟ قول؟”
“ال 8:07”
“و المحاضرة امتى؟”
“ال8:00”
“و علاش ما طقطقتش الباب؟”
“طقطقت انت ما سمع..”
“خش” يعقد حاجبيه, ينظر إلى أوراقه, يرفع رأسه, ثم يبدأ في الأنين حول المواعيد.
أين الطائل منها؟ ما زلت المتهم صاحب رقم 022134974 و من حق أياً كان أن يصب عليك الأسئلة المشككة في نواياك داخل القسم في أي وقت إذ أنك أحيانا قد تسعى بفضل قوى شيطانية ما في أن تحاول المرور بسرعة لتصل إلى نهاية الرحلة, حيث يقال بوجود قانون سري ما ينطبق على الغالبية بأن حياتنا داخل القسم تستمر مدة خمس سنوات + ن ..حيث ن عدد صحيح لا يساوي الصفر. أما القانون الآخر فهو الذي أخبرنا به كافكا حول المحاكمة أو القسم أو أي منظومة لا تجد من انتماءك إليها من بد : “المحاكمة لا تريد شيئاً منك, إنها تفتح أبوابها إليك عندما تأتي و تعفيك عندما تذهب.”

Advertisements

فكرة واحدة على ”اعتقال

  1. ويستمر الانين من كلية الهندسة، ستتخرجين في النهاية لا خوف عليك و سيستمر الانين من الزمن الذي اضعتيه داخل اسوار الكلية حينما تكتشفي انك قد قراتي علم لا فائدة منه ولا استخدام له الا في بناء ناطحات السحاب.
    سيستمر انينك طالما تتعاملين مع انسان ليبي، حتى انا نفسي كاتب هذه الكلمات لا اخلوا من عيوب نفسية لتعذيب غيري وارهاقه وخلق بيروقراطية عفنه عندما تحين لي الفرصة ويقع احد تحت براثن سلطتي.
    نصيحتي ليك لا ترفعي سقف طموحاتك الا لو كنتي من اصحاب طموح الدراسة في الخارج والتعلم من اجل التعلم فقط، لا تطيلي فترة بقائك في الكلية وخفضي من العامل ن حتى يساوي صفر أو عدد صحيح سالب، حياة كاملة في انتظارك ان دخلتي الجانب العملي فاعلمي ان ورائك جبل من الكتب للاطلاع عليها وكم رهيب من المعلومات لمعرفتها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s