حتى إذا ما

عليك أن تعلم بطريقة أو بأخرى قبل حتى أن يقع الأمر أنك الآن لا تفعل شيئاً سوى التصفيق لحرب أخرى داخل العاصمة, أيا كان ما يسمونها تحرير أو فتح أو غزو أو إحتلال فلازالت رغم كل شيء حرباً لعينة, بمعنى حرب حقيقية أتفهم ما تعنيه حرب؟ الأسلحة التي ستتجول في شوارع المدينة و أصوات الرصاص و رائحة الحريق و البنايات المحطمة على أنواعها و التربة المحروقة و الهواء المتلوث بالأدخنة و إنقطاع المياه و الكهرباء و نقص الأكل, كل هذا ..أتعيه؟ و لا يقف الأمر هنا فقط, ما يعنيه أمر الحرب قبل كل شيء هو : إنسان ميت. أتفهم هذا؟ رجل أو إمرأة أو طفل يحترق أو يقطع و تنتهي حياته ببساطة ليترك وراءه عائلة تعيسة و فجوة بيننا, أعني أنه يموت و يدفن و يرمى تحت التراب و تنهشه الديدان و لا يستطيع أحد إعادته, سيختفي تماما, و غالبا لن يكون مستحقا حتى لأن يموت, أيا كان هو, أتدري أيضا ماذا؟ لا يوجد إنسان يستحق أن يتم قتله, من نكون أولاً حتى نفكر بهذا الأمر الموحش؟ أن نرمي بإنسان تحت التراب لأنه لا يعجبنا! لم تبدأ حرب طرابلس بعد و لكن طالما أن الجميع -حتى أولئك اللطفاء و الأذكياء و محبوا السماء الصافية و الأرانب البيضاء و صوت الموسيقى- لا يخجلون من التعبير الظاهر و المبطن بسعادتهم بالحرب القادمة, أي ماذا؟ كل القبول القذر و الترحيب بأن يموت رجل-أيا كان هو- و أن ترمل إمرأة و أن يسقط بيت فوق طفل سعيد و أن تتشتت عائلة بالكامل.

أعني أنني أعلم بأن للإنسان رغباته اللإنسانية و أنه يمتليء بالشر أكثر من إمتلائه بالخير و لكنني لا أفهم وقاحة أن يسعد بالحرب و أن يرى في الأسلحة و الأرتال شيئا ما يبهج نفسه و لا يتوقف الأمر بداخله فقط إنما يعرضه أمامنا جميعا : أنا سعيد بأن الحرب قادمة إلى طرابلس أنا سعيد بالتدمير و الجثث و أصوات الصواريخ تثير طربي و أحب أن يتم قتل العديد من هؤلاء و أن تسال دماءهم في الطرقات و أن يرتعب الأطفال و يرتفع ضغط الرجال المسنين, أنا سعيد بالموت القادم إلى طرابلس. و ذلك فقط بسبب هذا الأمل الخسيس بأن دولة رائعة ستبنى بعد أن نرمي ببعض البشر تحت التراب, و لكن أتعلم ماذا؟ لن تكون هناك أي دولة مشرّفة طالما نحن لا زلنا نهلل بالحروب كشعوب بدائية لا ترى سوى في النار و الدم طهارة و عزة و مجداً. لكم أتمنى أن تصمتوا جميعا عن عرض رغباتكم العنيفة و أنانيتكم و أن تخفوها داخل صدوركم خجلاً من وقاحتها و سوءها, غير أنه يكون عليّ أنا أن أصمت و أدفن رغبتي في السلام و أنه كل ما أحب أن يحدث لنا حتى إن لم تكن هناك أي حلول أخرى غير الخوض في حرب أهلية تقتلنا كل يوم دون أن تموت يوماً لأنني أخجل منكم و أخجل من وقاحة أن أقول أمامكم أن أنني لا زلت أحب أن أعيش في مكان يعمه السلام و لست مضطرة لأن أقف مع الحرب أيا كان نوعها حتى إن أوهمتني بأنها ستوصلنا إلى بر الأمان, لأنني أكرهها و أكره كل ما فيها و كل من يفرح بها وأكره أن أكون معكم هنا طيلة الأيام القادمة إن وقعت حرب حقيقية لأنها لا تعني لي شيئاً و لا تعطيني أملاً في شيء سوى الموت.

الإعلانات

4 أفكار على ”حتى إذا ما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s