ملاحظات حول مسودة الدستور: المادة (174) مياه

بعيداً عن مواد الحقوق و نظام الدولة و الجدل الذي تسببه، سعدت بوجود مادة تتعلق بالموارد المائية للدولة الليبية بمسودة الدستور و هي المادة رقم (174) المعنونة ب”المياه”. و تنص:
(تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لحسن إدارة الثروة المائية، بما يضمن المحافظة عليها و حمايتها من التلوث و من الاعتداء عليها و ترشيد استخدامها الاقتصادي و البحث عن بدائل لها و إيجاد السبل الكفيلة لتحقيق الأمن المائي. مع جبر الضرر للمناطق التي تنقل منها المياه الجوفية.
و تنشأ بقانون هيئة خاصة تتولى إجراء البحوث العلمية و وضع السياسات و البرامج اللازمة لذلك و الإشراف على تنفيذها. )

المادة 174 المياه الدستور

أشرف على صياغة هذه المادة لجنة من الخبراء تشمل الشركة العامة للمياه و جهاز إدارة النهر الصناعي و عدد من الأساتذة الجامعيين، و يبشر هذا بأهمية العمل على نشر الوعي على مستوى الدولة بأزمة ندرة الموارد المائية في ليبيا و أهمية ربط أهداف التنمية للموارد المائية بالسياسات و الأهداف العامة للدولة. غير أن صياغة هذه المادة أتت لتخذل التوقعات

 حول مستوى الوعي بآلية وضع الأهداف المرتبطة بالاستراتيجيات المائية بحيث صيغت كجملة أطول مما يجب و رغم ذلك ينقصها استخدام المصطلحات الصحيحة، فنحن بصدد رسم دستور يضع الأهداف العامة الواضحة و الدقيقة حول الموارد المائية و ليس لحل بعض المشكلات التي يتضمنها قطاع الموارد المائية بحيث أدى هذا إلى استخدام كلمات فضفاضة للتعبير عن مشكلة واحدة من مشاكل القطاع و هي السلبيات الناتجة عن استنزاف المياه الجوفية خاصة بالأحواض الجنوبية و هي “جبر الضرر” بينما بالإمكان صياغة المادة بحيث تحمل المرونة الكافية لإتاحة أي حلول متوفرة أو مستقبلية حول إدارة المياه الجوفية و عدم فرض مصطلح “جبر الضرر” الذي قد يشمل حلول غير اقتصادية. بالإضافة إلى أن الأمر لا يتطلب وضع هذه المشكلة تحديداً  ضمن الأهداف العامة للدولة، حيث يمكن أن يتم تضمينها بصياغات أخرى تشمل بقية المشاكل المتعلقة بالوضع المائي الحالي و المستقبلي.

الملاحظة الأخرى هي حول صياغة السياسة الأساسية للدولة نحو الموارد المائية، تم استخدام كلمة “حُسن” و هي كلمة غير جيدة لتوصيف الإدارة أو السياسة العامة للتعامل مع أزمة المياه بليبيا، خاصة مع وجود غيرها من المصطلحات المستعملة عند وضع خطط و أهداف و استراتيجيات إدارة الموارد المائية للدولة، و هي تبدو فضفاضة و ضعيفة المعنى و غير دقيقة، فما المقصود بحسن الإدارة؟ و ما الذي يحدد أن إدارة الموارد المائية حسنة أي جيدة؟ هذا الأمر الذي أدى في النهاية إلى زيادة حشو المادة بمصطلحات أخرى لتقوية المعنى وإلى  استعمال كلمات غير دقيقة و لم تعد متداولة مثل “ترشيد الاستخدام” و “البحث عن بدائل” و “المحافظة”، بالتالي جاءت كمادة غير مختصرة و طويلة و ينقصها تحديد الرؤية بدقة بحيث يدعم وضع السياسات و البرامج وفقاً لهذا الهدف عند البدء في عمليات التخطيط التنموي للبلاد.

ما الذي أريده كمواطنة ليبية في دستور بلادي؟ ما أريده هو الوضوح و تحديد الرؤية و إلى أين نتجه. غياب الدقة في تحديد سياسة الدولة حول أهم مواردها و أكثرها ارتباطاً بالأهداف التنموية العامة و أكثرها تعلقاً بحقوق الإنسان هو أمر يستدعي التوقف عنده و التساؤل حول ما مدى جدية السياسيين في  رسم هذه الأهداف بحيث تشمل كل المتطلبات الحالية و تواكب التحديات المستقبلية؟.

يعتمد أي تقييم لإدارة الموارد المائية على متابعة تحقيق مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية، و هي استراتيجية تهدف لإدارة أفضل للموارد المائية للتغلب على المشكلات و التحديات المتزايدة و تعمل لتحقيق الكفاءة الاقتصادية و الاستدامة البيئية و العدالة الاجتماعية، تمت صياغتها في المؤتمر الدولي للمياه و البيئة في دبلن عام 1992 و سعى المجتمع الدولي على وضع مبادئ الإدارة المتكاملة ضمن الأهداف العالمية للتنمية المستدامة في المؤتمرات الدولية عام 2015، حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال اجتماعها أجندة للتنمية المستدامة لعام 2030 تشمل 17 هدف تلزم شعوب العالم على الاشتراك في العمل على تحقيقها و من ضمن هذه الأهداف تبني إدارة الموارد المائية بإدارة مستدامة لضمان توفير المياه و خدمات الصرف الصحي للجميع، و يكفل تحقيقها خطط الإدارة المتكاملة. وضعت ليبيا هذه المبادئ ضمن الاستراتيجية الوطنية لإدارة الموارد المائية عام 2000 و تمت الموافقة على تنفيذ مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية ضمن مؤسسات القطاع عام 2006. . يمكن تلخيص الإستراتيجيات القائمة على مباديء الإدارة المتكاملة للموارد المائية في النقاط التالية:

  • إشراك كافة القطاعات المعنية التي تؤثر أو تتأثر بعملية تطوير و إدارة المياه مثل قطاعات الزراعة و الصناعة و السياحة و الصحة و البيئة و غيرها من القطاعات.
  • نظرة أشمل لإدارة المياه تعمل على تحقيق الأهداف التنموية و لا تقتصر فقط على الموارد و الاحتياجات المائية و تحقق التوازن بينهما.
  • استراتيجية ديناميكية و ليست إستاتيكية فهي لا تعمل على وضع مجموعة محددة من الخطوات و القرارات و لكنها تهدف إلى وضع إطار عام لعملية مستمر من الإجراءات و الخطوات الاستراتيجية المنسقة التي يمكنها التكيف مع ما يستجد من متغيرات.
  • أحد أهم العناصر في وضع الاستراتيجية هو إشراك مكثف لأصحاب المصلحة من كافة المستويات مما يساعد على أخذ كافة وجهات النظر في الاعتبار و اهتمام أصحاب المصلحة بالاستراتيجية لكونهم ساهموا في صياغتها.

يتضح إذاً  أن ليبيا قد توصلت منذ عام 2006 إلى وضع مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية ضمن الأهداف و السياسات العامة للدولة و هو مكتسب مهم يجدر بنا عدم التفريط به حتى مع غياب تنفيذه داخل قطاع الموارد المائية طيلة الأعوام العشرة الأخيرة، و إعادة استخدامه في عمليات وضع أهداف الدولة و الخطط التنموية يضعنا على النهج الصحيح في التعامل مع إدارة الموارد المائية و يشرك بلادنا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي يدعو إليها المجتمع الدولي و الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي بإمكانه أن يوفر الدعم اللازم لعمليات التخطيط عند وضع هذه المبادئ في عين الاعتبار لسياسات الدولة. لكي تتلقى استراتيجيات إدارة الموارد المائية الاهتمام الكافي من المسوؤلين و واضعي السياسات الوطنية يجب أن نضمن وضوح العلاقة بين إدارة الموارد المائية و التنمية المستدامة و لأهداف العامة للدولة و التي يضمنها تبني إدارة متكاملة لتطوير عملية التنمية و الاستخدام المستدام للموارد المائية.

إن وجود هذه المادة ضمن الدستور هي فرصة ضخمة لنشر التوعية على كافة المستويات بأهمية الموارد المائية كمدخل أساسي لكافة جوانب الحياة، و من الضروري علينا استغلال حضورها بأفضل دقة ممكنة لتكون واضحة بالنسبة لكافة فئات المجتمع لارتباطها القوي بجودة الحياة. بالإمكان أيضاً استغلال هذه الفرصة لوضع أحد أهم حقوق المواطن في دولة تعاني من ندرة المياه اليوم و هو الحق في الوصول للمياه النقية و الحق في الحصول على خدمات الصرف الصحي، الأمر الذي يجب أن تضعه الدولة على هرم أولوياتها لارتباطه العميق مع مبدأ الحق في مستوى المعيشة اللائق و حق الطعام الكافي و المسكن الملائم و الصحة لما يبلغ من أهمية بالمجتمع الليبي اليوم مع تنوع فئاته و احتياجاتها.

إن كنا نرغب في وضع أهداف مرنة بما فيه الكفاية لمواكبة التحديات المختلفة التي تواجه قطاع المياه بليبيا، من المهم الرجوع إلى أهداف التنمية المستدامة التي تسعى إلى تحقيقها العديد من الدول العربية و غير العربية التي تواجه تحديات في قطاع المياه شبيهة بتحديات بلادنا، و من أهم هذه الأهداف هو الهدف السادس الذي ينص على ” ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع” و تتحقق مقاصده في التالي:

  • تحقيق هدف حصول الجميع بشكل منصف على مياه الشرب المأمونة والميسورة التكلفة بحلول عام 2030
  • تحقيق هدف حصول الجميع على خدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية ووضع نهاية للتغوط في العراء، وإيلاء اهتمام خاص لاحتياجات النساء والفتيات ومن يعيشون في ظل أوضاع هشة، بحلول عام 2030
  • تحسين نوعية المياه عن طريق الحد من التلوث ووقف إلقاء النفايات والمواد الكيميائية الخطرة وتقليل تسرّبها إلى أدنى حد، وخفض نسبة مياه المجاري غير المعالجة إلى النصف، وزيادة إعادة التدوير وإعادة الاستخدام المأمونة بنسبة كبيرة على الصعيد العالمي، بحلول عام 2030
  • زيادة كفاءة استخدام المياه في جميع القطاعات زيادة كبيرة وضمان سحب المياه العذبة وإمداداتها على نحو مستدام من أجل معالجة شح المياه، والحد بدرجة كبيرة من عدد الأشخاص الذين يعانون من ندرة المياه، بحلول عام 2030
  • تنفيذ الإدارة المتكاملة لموارد المياه على جميع المستويات، بما في ذلك من خلال التعاون العابر للحدود حسب الاقتضاء، بحلول عام 2030
  • حماية وترميم النظم الإيكولوجية المتصلة بالمياه، بما في ذلك الجبال والغابات والأراضي الرطبة والأنهار ومستودعات المياه الجوفية والبحيرات، بحلول عام 2020
  • تعزيز نطاق التعاون الدولي ودعم بناء القدرات في البلدان النامية في مجال الأنشطة والبرامج المتعلقة بالمياه والصرف الصحي، بما في ذلك جمع المياه، وإزالة ملوحتها، وكفاءة استخدامها، ومعالجة المياه العادمة، وتكنولوجيات إعادة التدوير وإعادة الاستعمال، بحلول عام 2030
  • دعم وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في تحسين إدارة المياه والصرف الصحي

كمواطنة ليبية و كمهتمة بقطاع الموارد المائية في ليبيا و كطالبة في مجال هندسة المياه و الهندسة البيئية أتمنى أن أرى دستور يضمن حق الوصول إلى المياه النقية لليبيين و يضع أهداف لتطوير التنمية المائية و يشجع على تطبيق مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية في بلادنا و يسعدني أن أرى الوعي على مستوى الدولة بأهمية الموارد المائية و تقاطعها مع قطاعات الدولة المختلفة بحيث يقع ضمن الأولويات العامة للبلاد، و أن أرى دستور يلتزم بالدقة و وضوح الرؤية و نابع من قضايا الواقع و احتياجات الشعب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s