عشر سنوات من عمر الشباب

في ذات العام بالتحديد الذي ثار الشعب فيه بأسره على نظام ديكتاتوري امتد لأربعين عقداً…كبرتُ، وصرت راشدة بحكم القانون. وكل التمرد التي تحمله أول سنة في عمر الشباب كان منعكساً من حولي ويتحرك في داخلي. فتحت عيناي للعالم نحو أفكار ضخمة وصادمة، نحو ألوان لم تراها عيناي يوماً، ومشاهد لم تخطر ببالي. كلمات أكبر من رأسي الفضولي والمنبهر بالعالم الذي يتغير أمامه، كلمات كالحرية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، الهوية، الإنتماء، السلام، الثورة….والكلمة الأكبر وقعاً والتي لم تهدأ في قلبي من يوم صار بإمكاني التفكير بها: التغيير.

“أربعين عام سادنا..لا يمكن حد يقولها من داخل بلادنا” سمعنا صوت الرابر المجهول تحت اسم ابن ثابت في مطلع الانتفاضة الليبية عام 2011 من على الفيسبوك، ولم أكن سوى على مشارف عامي الثامن عشر، لم أكن أفهم قبل ذلك العام جيداً ما فعله النظام القمعي للقذافي، كنت أدري بأنه يجب أن أكون حذرة عند ذكر اسم ذاك الرجل، وأعرف أنه لا يُسمح بتكرار النُكت السياسية عنه مهما كانت مضحكة، غير أنه منذ فبراير 2011 مررت بالصدمة تلو الأخرى. الحكايات أخدت تجتمع وترتبط ببعضها، حكايات والدي وأمي عن أربعين عاماً مروا بها تحت سلطة مجنونة ومخيفة لم أعيها سابقاً، قصص السوشال ميديا وفيديوهات صحافة المواطن، تحقيقات الصحافة العربية التي لم تستيقظ لتخبرنا عن هذا النظام سوى ذاك العام، ونشطاء المعارضة الليبية في الخارج على التلفزيون يشتمون رأس الدولة دون مواربة، والتشابه الكبير مع حكايات شعوب الجوار تحت الأنظمة العربية الديكتاتورية. لم تكن أغاني الراب حينها ذات جودة عالية، غير أنّها كانت تلخص حكاية كبيرة وأكبر مما كنت أتصور، قلبي تلك الأيام كان يدق بسرعة، والثورة شعرت بها في دمي وعقلي، كما لو أنني استيقظت فجأة لأجد نفسي داخل رواية عن ديستوبيا في عالم آخر. الثورة لم تكون أمراً سهلاً لاستيعابه لعقلي كمراهقة عاشت في بيئة آمنة ومتزنة طيلة سبعة عشر عاماً دون كل هذا التشويش. غير أنّ أبي كان معي، يرشدني ويشرح لي المصطلح وراء الثاني، ويحكي لي عن جذور الأزمة الليبية، ويمدني بالكتب لأفهم أكثر عن المصطلحات السياسية، ويكشف لي الكذب والخداع الذي بدأ يظهر على الإعلام المحلي، في ذاك العام الغريب تحصلت على الشهادة الثانوية بتقدير ممتاز، غير أنني لم أكن سعيدة بما يكفي لما يحمله المستقبل من ضبابية وحرية اختيار مسار مستقبلي كانت تبدو مخيفة، واقتدت بوالدتي لاختيار دراستي، بعد أن كان كل ما أرغب به ذاك الوقت هو الدراسة بالخارج.

من مذكراتي، الخميس 17 فبراير 2011

لم أشارك بأي طريقة في الثورة، لم أمر بفعل ثوري حقيقي سوى بارتداء قميص مخطط بالصدفة بألوان “علم الإستقلال” تحت الزي المدرسي لألفت انتباه صديقاتي، وبعض الخربشات على المقاعد الدراسية. ولكن الثوران الحقيقي حدث في داخلي وبكل هدوء ظاهري ممكن، الحرية التي نادى بها الشعب الذي زهق من النظام المترهل لم أرها فعلاً سوى داخل رأسي. كانت الحياة بسيطة، وسهلة ويمكن حلّها، ولكن كلما مرّ الوقت والأحداث والنزاعات ومنذ صار التلفزيون جهاز مخيف وجالب لدموع والدتي وامتعاض أبي، صرت أخاف. 

مرت السنة تلو الثانية، واستمرت صدماتي بأن الذي نمر به صار يحمل أسماء أخرى أقل رومنسية وراديكالية، حرب أهلية، نزاع مسلح، انقسام سياسي، صراع على السلطة، ومشاعرنا بالتالي لم تعد تحمل ذات الزخم، وصار له اسم وتشخيص: اكتئاب، قلق، اضطراب ما بعد الصدمة. الأبطال الثوار صاروا إما شهداء، ميلشيات، أو فُسّاد ومتطرفين. وبعد أن كنت أمضي الوقت الكثير أمام التلفاز لمتابعة إنجازات الثورة، تحوّل التلفاز فجأة لشيء مشوه ومشبوه بإمكانه أن يقلب عقلي. ومنذ 2012 تركت متابعة الإعلام الليبي والعربي على القنوات الفضائية حتى اليوم. 

من الرسائل التي رمتها طائرات حلف النيتو على ساحة مدرستي بالثانوية التي كانت مجاورة لباب العزيزية، مركز قيادة النظام السابق

لم تعد “ثورتنا” واضحة لي، لم يعد يسهل اختصار حالتنا في أغنية مبهجة لصلاح غالي، ولم يكن سهلاً التحقق من صدق قادة البلاد، وأنا أسمع والدي صار يردد أكثر بينما يشاهد التلفاز “تي شنو الدفنقي هذا؟” وبينما الحياة تسير بشكل متسارع من حولي، انكمشت شيئاً فشيئاً في داخلي منذ أوّل صدماتي بالواقع الرمادي، أتذكر أول مرة كنت أبكي فيها عندما فهمت أنه يصعب لي فعل أي شيء حقيقي نحو التغيير في مجتمعي، وكان زميلي في حركة طلابية متحمسة يسألني ما سبب انسحابي منها ولم أكن أفهم لماذا، كل ما كنت أعرفه أن الأمور كانت أكثر تعقيداً من أن أكون جزءاً من هذا “التغيير”.

مرت سنوات الجامعة ببطء، كانت أكثر أعوامي اضطراباً، بدأت بعام سمعت فيه الرصاص يُطلق بجانبنا في الحرم الجامعي، نزاعات أغلقت الدراسة بشكل متكرر، وبقايا نظام دراسي استبدادي وفِكر قديم جعل من التعلّم شيئاً مزيفاً ولا يُطاق. بالإضافة لحركة طلابية ضعيفة توّجت بقادة مؤدلجين قتلوا النشاط الطلابي الذي حاولت أن أكون جزءاً منه وهو في مهده. أتذكر ذات يوم جامعي أنني دخلت لمدخل كلية الهندسة يوم السابع من أبريل لآخذ صدمة نفسية خفيفة على وجه الصباح، حين وجدت ما يشبه الأجساد المغلفة في كيس أسود مشنوقة ومعقلة على الجدران، في أعوامي الأكثر تشبعاً برؤية الجثث والدماء كان توقع أن تكون هذه الأجسام جثثاً منطقياً لوهلة، فيما عرفت لاحقاً أنه تمثيل سيئ جداً بأجساد من الورق لذكرى إعدام طلاب السابع من أبريل في عهد القذافي. ومن ذاك الحين بدأت أرى حجم الجنون والفوضى الذي لا يملأ البلاد فقط، إنما أيضاً العقول الشابة للشباب من جيلي.  

مع الوقت، اعتدت على الصدمات وطغيان الموت والفشل وعرقلة الحياة العامة، فهمت أكثر أنه لم يعد من المهم أن أفهم، وأن هدوئي الداخلي صار محتوماً بردة فعلي على الأحداث المفاجئة والطارئة. بدأ اعتياد توقع الأسوأ وسيلة للبقاء، ليس لانعدام التفاؤل (هذه الكلمة التي تعيش خارج الزمن) بل حتى يمكن لقلوبنا أن تتعلّم المرونة أكثر، وأن نتجاوز أثر التغييرات التي تقع خارج أيدينا، وأن نفهم أنها خارج أيدينا. بدا لي الهدوء والبحث عن الاتزان ضمن الفوضى والتكيّف مع الأحداث التي تعصف بحياتنا هو الهدف الأول لتقبل صيرورة الحياة التي لا إمكانية لمقاومتها، أو استرجاعها. وأن الوقت والعمر الذي مضى من أيامنا هو جزء صغير جداً من مرحلة تاريخية ضخمة في هذه البلد والمنطقة بأسرها، لا تطلُب منا الآن سوء الحفاظ على ما يمكن من اتزان نفوسنا ورجاحة عقلنا وحياد عاطفتنا، وأخذ مقعد المشاهد في هذه الرحلة المتسارعة من أعمارنا.

*هذه التدوينات هي محاولة لتجميع بعض الأفكار والمشاعر المختلطة التي شعرت بها في أيام متفرقة مع قرب مرور عشر سنوات على ثورة الليبيين عام 2011.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s