شيء ما حول فرجينيا

لا أنوي الكتابة عنها حتى أقرأ رواية السيدة دالاوي و لكن حدث و أن وجدت نفسي قد خططت هذه الفقرة وسط الجامعة أبت إلا أن تخرج مني..

إنها تملك هذا النوع من الوصف الأدبي الذي يقبض على شيء حقيقي بك , تجد أن مائة عام قفزت لتستقر أمام عينيك و تبدو و كأنها بالأمس, لا بل الآن ..هذه اللحظة, تجد أن ما تشعر به الآنسة نينج مثلا لم يمر بك سوى من ساعة مضت, إنه طازج و جديد و دقيق كما لو أنه مشهد من فيلم سينمائي من داخل رأس الشخصية لا من خارجها. تصبح أنت الآنسة نينج, تعرفها و تعرف نفسك, تشعر بانك حقيقي متوحد  بها و أن كلمات فرجينيا لسيت سوى ما يحدث داخل الصمت بين الدقائق و الثواني, ما الذي يقوله الناس لأنفسهم داخل هذه المسافات الحميمة الصغيرة من الصمت؟ فرجينيا ساحرة حقا حتى وصلت هناك. تقول أنه باستطاعتك أن تكتب أنت ايضا بهذه البساطة عمّا يدور ببال شخصيات متخيلة من النفوس البشرية, لكنك كاذب و ستكذب عندما تحاول الكتابة لن تضطلع بهذا التحدي الحقيقي  من الصدق التام و الشفاف, ستخذلك نفسك و ستكذب فقط لتكتب شيئاً و لا تظل صامتاً, فرجينيا تكتب عن هذا الصمت. كنت منسجمة حقا داخل عالمها المجنون النابع بين اكتئابها القطبي, فرجينيا تكتب عن اولئك النساء الهامشيات اللواتي لم يكتب عنهن أحد, فرجينيا تكتب عن تلك الخواطر الداخلية للشخصيات الإنسانية التي لم يلمسها أحد, فرجيينيا تضع الفاصلة كما لا يفعل أحد, فرجينيا تكتب كما لم يكتب أحد.

Advertisements

اعتقال

 قسم الهندسة المدنية يذكرني بالمحاكمة لكافكا-أذكر اسمه مجددا للمرة المليون أنا أعلم!- فأنت تشعر بأنك متهم على الدوام بذنب لا تفهمه و لكنك تؤمن به, تركض من حجرة إلى أخرى داخل ممرات ضيقة مليئة بالأجساد البشرية المثرثرة التي تحشر نفسها  داخل الحجرات بلا أدنى مبالاة. مرتبط بالعديد من الأوراق التي يجبرونك على أن تعتقد بأنها مهمة لأن تعيش كالهواء الذي تتنفسه و يعطونك رقماً ل”قيدك” بكل صفاقة, أنت لست سوى الرقم 022134974 هناك, لا أحد يهتم بإسمك و من تكون و ما وراءك, كل ما عليك فعله أن تبريء تهمتك في أن تكون داخل القسم قبل كل شيء. هو باب مفتوح لك وحدك بجانبه مجموعة من الحراس, في كل مرة ترغب في الدخول يخبرونك أن الوقت لم يحن بعد, تمر الأيام و أنت تهرم و تنتظر دورك رغم أنك تعلم جيداً ان هذا الباب المفتوح من أمامك لك أنت وحدك, تجهد نفسك على تقبل الأمر و تستمر في التنقل بين الحجرات و ملء الأوراق و النماذج و المرور من محاكمة إلى أخرى من بين يدي مجموعة هائلة من القضاة المزاجيين الذين لا يفهمون قضيتك في كل مرة, و تعيد شرحها من جديد ..”أريد فقط أن أمر, أنا بريء من كل هذا, لم أفعل شيئا لتتم محاكمتي الشهر تلو الآخر”. لكن أولئك الذين يملكون بعضاً من أسرار المكان و الذين تجدهم في الزوايا يجمعون الأوراق المتساقطة أو يعيدون ترتيب أسماء المتهمين, أو يقفون في نهاية الممرات لمنح خبراتهم مقابل الأموال, يخبرونك بأنه لا وجود لحكم بالبراءة هنا, و ما عليك سوى أن تمضي حتى يأتي دورك لتخرج من الباب بنفسك دون مساعدة من أحد. تخشى أحيانا أنك لن تستطيع حمل قضيتك حتى النهاية مرورا بمحاكمة تلو الأخرى, إذ أن القسم يشتهر بعدم احتوائه على أي شكل من أشكال العدالة و لن تفيدك أي طعون. نستيقظ نحن كل صباح كما لو أن أحداً ما قد افترى علينا دون أن يكون من شأننا أن فعلنا شراً لنجد أنفسنا في رواق القسم نلاحق الدقائق حتى لا تغلق أمامنا الأبواب و نجري المحادثات التي لا طائل منها ..
إقرأ المزيد «

الفراشية بعيون يوسف القويري

البنت

*قصة قصيرة للكاتب الليبي يوسف القويري

SBjEz

من خلال الفتحة الضيئلة المواربة في حذر كان في إمكانها أن ترى الشارع كله .. بدكاكينه , و عرباته و حشود الناس المهرولة فوق الرصيف .. و أن تسمع الابواق الغليظة و طرقعة السياط في الهواء , و الكركرة , و الاحتكاك و الصفير الكئيب الذي يشبه الخوارمن سفن البحر القريبة … و أن تسمع الشتائم و النداءات و أصوات هادئة ممدودة مشحونة بالأسى تسوق جياداً  متهالكة . في خفوت : – هيــــ ..ـــــه

و يتلاشى الصوت و يضعف و يتبدد كالدخان .. و كل شيء في الشارع حولها يزعق حتى الألوان . و اللافتات العريضة بحروفها الواسعة تبدو في نظرها وقحة تعرض نفسها لأكثر من اللازم , إنها تحب الأشياء الصغيرة , تلك التي تجد صعوبة في رؤيتها عن بعد , الأشياء التي لا تمنح نفسها من أول مرة و هي لا تدري سبباً واضحاً لذلك , و لا تفكر في إيجاد سبب ..

و أحياناً يدفعها الفضول إلى أن تبعد طرف “الفراشية” عن الطرف الآخر و تجعل الفتحة الضئيلة متسعة قليلاً .

و قبل أن تصنع ذلك تستعد للأمر , و ترسل عينها الواحدة في رحلة ذعر قصيرة عبر الشارع , تفتشه , و تدخل عرباته و تقرأ وجوهه بسرعة و توتر , و في لحظات نادرة تتجمد نظراتها على شيء في الطريق , و سرعان ما تذوب نظرتها و تتحرك من جديد بعدما تتحقق منه ثم تعاود بحثها المضني , و تظل عينها الواحدة تعبث و تفتش و تقلب حتى تطمئن حينذاك تمتد يدها إلى خصرها محدثة خلف “الفراشية” موجات متكسرة , و تضطرب انحناءات الفراشية و تتماوج حتى تصبح دقاته هي الصوت الوحيد الذي تسمعه يدق و يدق فيعود صداه قوياً فاضحاً و كأنه وضع في ردهة واسعة من المرمر .

و رويداً رويداً .. تشد الطرف الذي يحجب عينها الأخرى , تشده بكل أعصابها , و قبضة باردة تعصر رئتيها, و تتلاحق أنفساها .. و الطرف ينحسر بمهل و الشارع كأنه جواسيس .. كلهم ينظرون إليها .. حتى عيون العربات .. حتى اللافتات الوقحة ذات الحروف الواسعة التي تمنح نفسها من اول مرة ..

و يسقط طرف الفراشية عن عينها .. و تبدو جبهتها الرقيقة مبللة بقطرات العرق . و صدرها لا تتضح منه إلا اختلاجاته و اضطرابه الخائف ..إن صدرها يكشف أمرها ..و هو لا يكف عن الهبوط و الإرتفاع و الشارع لا يبدو جميلاً في عينيها .. إنه قاسِ و مؤلم .. و الناس , كأن كل الناس قد تجمدوا فجأة و توقفوا يحدجونها يالعيون , عيون فيها شرر الغضب ..

و تحس أنها مهزوزة و وحيدة .تغمرها تعاسة ثقيلة تفتت في أعماقها شيئاً عزيزاص .. شيئاً كالشجاعة و يكوي جوانبها من الداخل ضعف و يتصاعد إلى فمها فتحس مراراته كالحنظل .. إنها ضعيفة .. ضعيفة كريشة , و العيون القانية البشعة تطلق هواءٍ لاسعاً .

إقرأ المزيد «