كيف تجعلنا أزمة انقطاع المياه أكثر وعياً؟

شهدت مدينة طرابلس عدة انقطاعات لإمدادات مياه النهر الصناعي هذا العام، لفترات امتدت لأكثر من أسبوع مما أدى إلى أن تتوقف المياه عن الجريان بالعديد من المنازل التي تعتمد على شبكة امدادات النهر الصناعي كمصدر وحيد لاستعمالات المياه. يلجأ المواطنون أثناء هذه الفترات إلى عدة حلول قد تكون مكلفة اقتصادياً خاصة مع تزامنها مع أزمة نقص السيولة المالية بالمصارف، مما يجعل هذه الأيام من انقطاع المياه صعبة من ناحية اضطرارهم إلى تقليل استخدامهم للمياه إلى الحد الأدنى نتيجة عدم معرفتهم بموعد عودة تدفق المياه إلى الشبكة، ويؤثر على سلوكياتهم اليومية من استهلاك للشرب وللنظافة وإعداد الطعام. تنقطع المياه أيضاً عن الأماكن الخدمية مثل جامعة طرابلس مما يؤدي إلى إغلاق دورات المياه بالجامعة بمنطقة تحمل يومياً آلاف الطلبة.

يتسبب الوضع الأمني المتدهور وضعف الحماية الأمنية حول المنشآت المائية للنهر الصناعي والنزاعات السياسية والانقسام بالمجتمع إلى حدوث هذه الانقطاعات، مع مطالبة الجهات المشغلة لشبكة النهر بشكل متكرر للحكومة الليبية بالمسارعة لحماية هذه المنشآت من التهديدات التي تحدث لها مؤخراً. حيث يضطر العاملون إلى إيقاف الضخ تحت ضغط التهديد المسلح الذي يستهدف عن عمد قطع المياه عن العاصمة الليبية بسبب نزاعات بين المجموعات المسلحة مما يؤدي إلى خسائر اقتصادية، توتر أمني، آثار صحية وأيضاً حساسيات اجتماعية وسخط عام.

غير أنه يمكن القول بأنه لا توجد تجربة سيئة بالكامل، فبإمكان مرورنا بأزمات انقطاع المياه عن مدينة يزداد فيها الطلب على المياه مع زيادة التعداد السكاني نتيجة حركات النزوح الداخلية وزيادة الطلب على المياه مع ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية، بإمكانه أن يكون فرصة لنفكر فيها بالوضع المائي الحالي الحرج في بلادنا ومستقبل الأجيال القادمة. حيث تعتبر أزمات المياه من أكبر التحديات التي تواجه العالم اليوم وتوضع ضمن خطط التنمية المستدامة العالمية. فالعالم اليوم يمر بتقلبات مناخية وندرة في المياه مع ارتفاع معدلات النمو السكاني والاقتصادي، مما يزيد من الطلب على المياه بينما تعاني عدة دول من الشح المائي، ومن ضمنها ليبيا.

إذاً ما الذي يمكن أن تضيفه لنا فترات انقطاع المياه؟ بإمكان هذه الانقطاعات أن تجعلنا على وعي أكبر بأحد أهم حقوقنا الإنسانية اليوم والذي من الضروري أن يوضع على أولويات عملنا واهتماماتنا بحيث نطرحه للنقاش العام ونطالب السياسيين بتحديد خططه تجاهه، وذلك يحدث كالتالي:

-أن نعي تكلفة المياه التي لا تراعي الفئات الفقيرة أو نقص السيولة المالية حين نختار مصادر أخرى للشرب والاستعمال غير شبكة مياه النهر.

-أن نفكر في صلاحية المياه الموجودة بالسوق وحاجتنا إلى الوثوق بجودتها من خلال تراخيص رسمية واشراف على معايير السلامة.

-أن نعي بأن الاعتماد على الآبار المحلية كمصدر بديل أثناء فترات الانقطاع ليس بحل بإمكانه أن يحتمل فترات انقطاع طويلة وبحاجتنا إلى حلول لمصادر مياه أخرى غير شبكة النهر الصناعي.

-أن نناقش أهمية حماية المنشآت المائية من الاعتداءات المتكررة وانقطاعات الكهرباء حتى لا تتكرر الانقطاعات بالمستقبل ونعمل معاً من أجل إيصال مطالبنا إلى الجهات المسؤولة لحماية شبكة النهر الصناعي من هذه المشاكل كما تتم حماية المنشآت النفطية.

-انقطاع المياه يعطينا نظرة إلى مستقبل الندرة حين يزداد معدل الطلب على المياه مع زيادة السكان والاعتماد على مصدر مائي وحيد في مختلف استهلاكنا سواء منزلي أو زراعي أو صناعي، مما يجعلنا نشعر بأهمية أن نضع جهودنا لتحسين الوضع المائي من خلال توجيه خياراتنا وخبراتنا وتخصصاتنا العلمية وابتكاراتنا نحو الحلول للمشاكل الحالية والمستقبلية.

-أن نشعر بالتضامن مع المدن والقرى الأخرى سواء في بلادنا أو بقية أنحاء العالم التي تعاني من شح المياه وتنعدم بها إمدادات المياه ويضطر السكان إلى دفع مبالغ إضافية للحصول على مياه صالحة للاستعمال، مما يؤثر على الصحة والنظافة العامة، وأن نعي بأن ندرة المياه تحدي يواجهنا اليوم على المستوى المحلي والعالمي.

-أن نعي أهمية أن نفكر ونناقش ونبحث ونتحدث عن التحديات التي تواجه قطاع المياه في بلادنا والعالم أجمع بما يجعلنا على مستوى جيد من الوعي ويضعنا تحت مسؤولية احداث تغيير بكل ما نملك من أدوات متاحة.

-أن نحافظ على المياه النظيفة ونقلل من استهلاكنا لما يفرضه انقطاع المياه من تقليل لاستخدام المياه ووعي بقيمة كل قطرة ماء تستهلك سواء كانت قيمة مادية أو معنوية.

قد تبدو كلمة المستقبل كلمة بعيدة زمنياً للكثيرين غير أن العديد من التغيرات المرتبطة بالمياه قد تحدث خلال ربع قرن فقط، ونحن من نملك اليوم مصيرها خاصة كشباب يملكون من الطاقة والابداع ما يمكنه من إحداث تغييرات لصالح مستقبل أفضل. بإمكان لهذه التجارب السيئة اليوم أن تكون ملهمة لنا لصنع حلول للغد

Advertisements