لن يثوروا حتى يعوا..و لن يعوا حتى يثوروا

إنتشر بالأيام الماضية في الأوساط الإعلامية الإجتماعية الليبية مقطع فيديو لعملية إغتصاب لإمرأة قام بها كما يشاع أفراد من ميلشيا مسلحة بإحدى المدن الليبية أثارت العديد من التحفظات و الهلع بين الناس و تنوع في المواقف بين متعاطف مع الضحية و لائم لها كعادة ردود الفعل الإجتماعية في الشرق الأوسط تجاه جرائم الإغتصاب أنتجت بمجموعها نوبة غضب جديدة بمجتمع الفيسبوك و غيره تمتليء بملامح الشعور بالعجز و الندم و تأنيب الذات, حيث لاقى أحد المنشورات شعبية كبيرة و هو يحتوى على تعبير “أنا منذ اليوم أصنف نفسي ككلب من الكلاب” كنتيجة لشعوره بعدم قدرته على حماية النساء و بالتالي إنتهاء تصنيفه كرجل, حسب المفهوم الإجتماعي للكلمة في ليبيا. تراكمت نوبة الغضب و تأنيب النفس الجماعية لتصل لدعوات بالخروج في الميدان و التخطيط لمظاهرات سلمية بمدينة طرابلس على الرغم من خطورة التواجد في أي مظهر علني معارض لجرائم المليشيات المسلحة التي تسكن طرابلس و تشتهر بأعمالها المهددة للأمن من خطف قسري و تعذيب بالسجون و ترويع السكان و إمتلاك السلاح بشكل غير قانوني و السطو على البيوت و السرقات و العنف اللفظي و إغلاق للطرق الحيوية و تدمير للمتلكات العامة و الإغتصاب و التهديد و تكرار للإشتباكات المسلحة داخل شوارع العاصمة تسقِط العديد من القتلى و الجرحى و ضحايا السرقات في كل مرة. كل هذه الجرائم الغير موثقة و بدون محاسبة من أحد تجعل من الخطر تشجيع الناس على الخروج و التعبير عن غضبهم بمظاهرات سلمية قد تؤدي لمزيد من ضحايا سطوة و عنف ميليشيات طرابلس الخارجة عن القانون و المتحكمة بحركة الحياة بالمدينة و التي تتلقى الدعم السياسي من أطراف مختلفة منذ خمسة سنوات.

إقرأ المزيد «

Advertisements

شكر و تقدير للاعتيادية و غير العادية: الخرسانة

الخرسانة في كل مكان من حولنا. هذه ليست بصدفة, على مر القرون استخدمنا الخرسانة لبناء حضارتنا. نحن نستخدم الخرسانة لأنها قوية و متينة و ضخمة و هي الميزات الضرورية إن كنا نتوقع أن نبني اليوم ما يصمد لإستخدامات أجيال المستقبل. بهذه الطريقة, كل جيل بإمكانه أن يبني فوق ما قبله بدل أن يعيد بناء عمل الأجيال السابقة, و هذا ما تعنيه الحضارة.

اليوم البشر يستخدمون الخرسانة أكثر من أي مادة أخرى عدا الماء, و هذا التفوق سمح لنا بأن نعتبرها من المسلمات. فقط تخيل ما الذي يمكنك رؤيته عندما تكون في أي مدينة بالولايات المتحدة الأمريكية, مما تتألف البنايات من حولك؟ مما يصنع السطح الذي تقف عليه؟ الطرق المشغولة التي تأخذ الناس من مكان إلى آخر؟ مما تتكون؟

لقرون عدة كانت هي المادة الأساسية التي أستخدمت لبناء عالمنا. و بسبب هذا الدور الرئيسي فإن الناس من جميع أنحاء العالم لا زال بإمكانهم تلقي جمال البانيثون في روما. فكر في كل أطلال الحضارات السابقة التي لا زالت تسكن في عالمنا. الخرسانة جعلتنا نتواصل مع هؤلاء الذين مشوا علي الأرض من قديم الزمان. إنها تسمح لهم بأن تحيا ذكراهم بيننا, و تسمح لنا بمشاركتهم هذه الأزمنة العظيمة.

إقرأ المزيد «

حتى إذا ما

عليك أن تعلم بطريقة أو بأخرى قبل حتى أن يقع الأمر أنك الآن لا تفعل شيئاً سوى التصفيق لحرب أخرى داخل العاصمة, أيا كان ما يسمونها تحرير أو فتح أو غزو أو إحتلال فلازالت رغم كل شيء حرباً لعينة, بمعنى حرب حقيقية أتفهم ما تعنيه حرب؟ الأسلحة التي ستتجول في شوارع المدينة و أصوات الرصاص و رائحة الحريق و البنايات المحطمة على أنواعها و التربة المحروقة و الهواء المتلوث بالأدخنة و إنقطاع المياه و الكهرباء و نقص الأكل, كل هذا ..أتعيه؟ و لا يقف الأمر هنا فقط, ما يعنيه أمر الحرب قبل كل شيء هو : إنسان ميت. أتفهم هذا؟ رجل أو إمرأة أو طفل يحترق أو يقطع و تنتهي حياته ببساطة ليترك وراءه عائلة تعيسة و فجوة بيننا, أعني أنه يموت و يدفن و يرمى تحت التراب و تنهشه الديدان و لا يستطيع أحد إعادته, سيختفي تماما, و غالبا لن يكون مستحقا حتى لأن يموت, أيا كان هو, أتدري أيضا ماذا؟ لا يوجد إنسان يستحق أن يتم قتله, من نكون أولاً حتى نفكر بهذا الأمر الموحش؟ أن نرمي بإنسان تحت التراب لأنه لا يعجبنا! لم تبدأ حرب طرابلس بعد و لكن طالما أن الجميع -حتى أولئك اللطفاء و الأذكياء و محبوا السماء الصافية و الأرانب البيضاء و صوت الموسيقى- لا يخجلون من التعبير الظاهر و المبطن بسعادتهم بالحرب القادمة, أي ماذا؟ كل القبول القذر و الترحيب بأن يموت رجل-أيا كان هو- و أن ترمل إمرأة و أن يسقط بيت فوق طفل سعيد و أن تتشتت عائلة بالكامل.

إقرأ المزيد «

عام من التدوين

صدفة كان اسمها حين وُلدت و بالصدفة دخلت لاجد انها ذكرى ميلادها الأولى! هي التي كان يمكن لها أن لا تكون. لا أتذكر لما خطر ببالي أن أصنع لنفسي مدونة, لا أدري ما الذي أجبرني في آخر أيام عام 2012 أن آتي إلى هنا و أقوم بإنشاءها حتى يتم اطلاقها بشكل رسمي عام 2013. أعتقد لغرض الكتابة, أو ربما للتورط رسمياً بالكتابة. إذا هي مدونة أنشئت من حب الكتابة الذي أظنه انتهى بنهاية هذا العام كالعديد من الأشياء التي ولدت بحياتي مطلع العام و كتب لها أن تموت.

إقرأ المزيد «

شيء ما حول فرجينيا

لا أنوي الكتابة عنها حتى أقرأ رواية السيدة دالاوي و لكن حدث و أن وجدت نفسي قد خططت هذه الفقرة وسط الجامعة أبت إلا أن تخرج مني..

إنها تملك هذا النوع من الوصف الأدبي الذي يقبض على شيء حقيقي بك , تجد أن مائة عام قفزت لتستقر أمام عينيك و تبدو و كأنها بالأمس, لا بل الآن ..هذه اللحظة, تجد أن ما تشعر به الآنسة نينج مثلا لم يمر بك سوى من ساعة مضت, إنه طازج و جديد و دقيق كما لو أنه مشهد من فيلم سينمائي من داخل رأس الشخصية لا من خارجها. تصبح أنت الآنسة نينج, تعرفها و تعرف نفسك, تشعر بانك حقيقي متوحد  بها و أن كلمات فرجينيا لسيت سوى ما يحدث داخل الصمت بين الدقائق و الثواني, ما الذي يقوله الناس لأنفسهم داخل هذه المسافات الحميمة الصغيرة من الصمت؟ فرجينيا ساحرة حقا حتى وصلت هناك. تقول أنه باستطاعتك أن تكتب أنت ايضا بهذه البساطة عمّا يدور ببال شخصيات متخيلة من النفوس البشرية, لكنك كاذب و ستكذب عندما تحاول الكتابة لن تضطلع بهذا التحدي الحقيقي  من الصدق التام و الشفاف, ستخذلك نفسك و ستكذب فقط لتكتب شيئاً و لا تظل صامتاً, فرجينيا تكتب عن هذا الصمت. كنت منسجمة حقا داخل عالمها المجنون النابع بين اكتئابها القطبي, فرجينيا تكتب عن اولئك النساء الهامشيات اللواتي لم يكتب عنهن أحد, فرجينيا تكتب عن تلك الخواطر الداخلية للشخصيات الإنسانية التي لم يلمسها أحد, فرجيينيا تضع الفاصلة كما لا يفعل أحد, فرجينيا تكتب كما لم يكتب أحد.

اعتقال

 قسم الهندسة المدنية يذكرني بالمحاكمة لكافكا-أذكر اسمه مجددا للمرة المليون أنا أعلم!- فأنت تشعر بأنك متهم على الدوام بذنب لا تفهمه و لكنك تؤمن به, تركض من حجرة إلى أخرى داخل ممرات ضيقة مليئة بالأجساد البشرية المثرثرة التي تحشر نفسها  داخل الحجرات بلا أدنى مبالاة. مرتبط بالعديد من الأوراق التي يجبرونك على أن تعتقد بأنها مهمة لأن تعيش كالهواء الذي تتنفسه و يعطونك رقماً ل”قيدك” بكل صفاقة, أنت لست سوى الرقم 022134974 هناك, لا أحد يهتم بإسمك و من تكون و ما وراءك, كل ما عليك فعله أن تبريء تهمتك في أن تكون داخل القسم قبل كل شيء. هو باب مفتوح لك وحدك بجانبه مجموعة من الحراس, في كل مرة ترغب في الدخول يخبرونك أن الوقت لم يحن بعد, تمر الأيام و أنت تهرم و تنتظر دورك رغم أنك تعلم جيداً ان هذا الباب المفتوح من أمامك لك أنت وحدك, تجهد نفسك على تقبل الأمر و تستمر في التنقل بين الحجرات و ملء الأوراق و النماذج و المرور من محاكمة إلى أخرى من بين يدي مجموعة هائلة من القضاة المزاجيين الذين لا يفهمون قضيتك في كل مرة, و تعيد شرحها من جديد ..”أريد فقط أن أمر, أنا بريء من كل هذا, لم أفعل شيئا لتتم محاكمتي الشهر تلو الآخر”. لكن أولئك الذين يملكون بعضاً من أسرار المكان و الذين تجدهم في الزوايا يجمعون الأوراق المتساقطة أو يعيدون ترتيب أسماء المتهمين, أو يقفون في نهاية الممرات لمنح خبراتهم مقابل الأموال, يخبرونك بأنه لا وجود لحكم بالبراءة هنا, و ما عليك سوى أن تمضي حتى يأتي دورك لتخرج من الباب بنفسك دون مساعدة من أحد. تخشى أحيانا أنك لن تستطيع حمل قضيتك حتى النهاية مرورا بمحاكمة تلو الأخرى, إذ أن القسم يشتهر بعدم احتوائه على أي شكل من أشكال العدالة و لن تفيدك أي طعون. نستيقظ نحن كل صباح كما لو أن أحداً ما قد افترى علينا دون أن يكون من شأننا أن فعلنا شراً لنجد أنفسنا في رواق القسم نلاحق الدقائق حتى لا تغلق أمامنا الأبواب و نجري المحادثات التي لا طائل منها ..
إقرأ المزيد «

أول عملي-264

1970678_380255172157046_9141938211593825648_n
خرسانة بإختبار لمعمل كلية الهندسة

 

مفروض البنات يعرفوا يعجنوا والاه؟
قالها و أسفر عن ضحكة بدائية لرجل ظننت من فرط جدية طريقته في التدريس أنه لا يضحك أبداً, ضحكة تبدو كمجاملة للضحك ذاته, ثم عاد إلى وجهه الوقور ثانية.
ثم كان الدور عليّ, وجدت نفسي أقف وحيدة امام الطاولة و أمامي صينية ممتلئة بالإسمنت و من خلفي مجموعة من الشباب, نظرت في عيون الفتيات على الطرف الآخر من الطاولة, كنّ يشبكن ايديهن و ينظرن إلى شيء ما عالق في الهواء على الطاولة, ينأين بأنفسهن عن هذه التصرفات بشكل صريح. لا أمل, إنه دوري أنا.
“اعجني” ردّ صوت أحد المختصين بالأمر. غصصت يدي في القفاز البلاستيكي كبير الحجم, داعبت الحبيبات الرمادية ..تخيلت أنها مجرد دقيق الذي أحب أن ألعب بذراته قبل العمل عليه منذ الطفولة و حتى اليوم, انطلقت ذراع تمد لي صحناً موزوناً بدقة من الماء, اعلم جيداً انه 112 جرام من الماء, لذلك بدات أصبه في حذر, كل قطرة ثمينة, لكل قطرة وزن معلوم و لا يجب أبدا التفريط فيها.
ها هو الامر يحدث, أنا أعجن عجنة الاسمنت, أنا هنا بالكامل داخل الهندسة المدنية لا فرار بعد اليوم. أخذت أقلب الدقيق الأحرش مع الماء, لم يكن كأي شيء عجنته يوماً, لا كالتراب المبلل بالماء الذي طالما لعبت به و لا كالدقيق و الماء الذي أسيء عجنه, و لا عجينة الحنة, تلك التي أحب من دون كل العجائن. كان القوام ناعماً و لامعاً, كيف يلمع الاسمنت بلا زيت! بطريقة ما بدا لي الأمر جميلاً, ربما حتى قد كنت أبتسم و ان أدعك الكتل ببعضها, امتدت تلك اللحظة إلى الأبد اذ أنني أصنع بيدي المادة السحرية التي تصنع بيوت هذه المدينة, هي مادة هذه المدينة.. مدينة من الإسمنت كما أراها دوماً بجدران بيوتها المهملة من أن يتم طلاءها, و يظهر لون الاسمنت قاتماً في كل مكان تقع عليه عينك, الشوارع الأرصفة البيوت و البنايات غير المكتملة ..لون الرصاص وحده من يطغى.
إنتهى بي الأمر لأول تجربة لي مع الاسمنت-لا زال هناك المزيد- بيدين ملظختين بالسواد و روح تشتعل حماساً و رغبة في أن أحدث جميع أصدقائي و حتى الغرباء عن هذه التجربة, إذ انني رسمياً الآن ..أبدأ خطواتي في البناء.