عن الكوني، وطنه ووطننا

يتداول مستخدمو الفيسبوك والمهتمين بالثقافة والفن جملة مقتطعة تُنسب للأديب الليبي الكبير إبراهيم الكوني. ويشنون حالياً هجوماً استجوابياً يُحاكم الكوني لاختياره كلمات لا يرون فيها احتراماً لعلاقة الأديب بوطنه، ووطننا. ورأيت في الهجوم تحاملاً ومحاكمة غريبة لمقولة واحدة لا يمكن أن نختزل فيها إنساناً وفكره، خصوصاً وأنّ هذا الإنسان بالذات كتب أكثر من 80 مؤلفاً مبينة على علاقته القوية بالوطن وبيئته، بيئة الصحراء.

هذه المقولة المتداولة عن إبراهيم الكوني هي عن مقال قصير جداً أقرب لمقال الرأي منشورة على موقع “المدن” عام 2016 وهي ليست مقابلة صحفية كما يتضح وتفتقر لأدوات اللقاء الصحفي. فالكاتب ينقل حديثاً عادياً وعابراً داخل سيارة مع الكوني خلال زيارته لحدث ثقافي في القاهرة. ولا يبدو أنها مقابلة صحفية، بما تحمله المقابلة من موافقة الكاتب قبل نشر حديثه للصحافة، وبناءاً على ذلك وعلى مقابلات عدة ومؤلفات عدة للكوني لا يبدو أن الصحفي قد نقل أو فهم المقصود من حديث الكوني داخل السيارة.

وآسفني أن أبناء بلدي يكثفون اهتماما فجائياً ودقيقاً جداً لأحد الحوارات -غير الصحفية- لإبراهيم الكوني ويلخصون فكره نحو الوطن والهجرة والانتماء في جملة عابرة، كما لو أنها أهم من كل كتبه ومقابلاته الصحفية والتلفزيونية التي عبّر فيها بشكل عميق ومركز عن فلسفته وانتماءه وعلاقة الإنسان بالمكان والهوية والحياة.

يقول الكوني في مقابلته عام 2019 في برنامج بيت ياسين: “مشكلة العقلية السائدة أنها مهتمة بالشخص وليس بالنص”. وهذا ما يحدث اليوم عندما فجأة يصبح الجميع مدققين في جملة واحدة لأديب عالمي ونضع أحكامنا على شخصيته ونعلن عدم رضانا على “اختياره للكلمات” في حديث عابر غير صحفي. وهو ما جعلني أتساءل، ما الذي نحاول أن نثبته؟ فلا أجد أنّ لأدب إبراهيم الكوني انتشاراً اجتماعياً في المجتمع الليبي، ولا اهتماماً ثقافياً واسعاً حتى يكون هناك متابعون بهذا الإخلاص الدقيق لحواراته. فلماذا اليوم نستجوب فجأة علاقته بالوطن؟

حين ننظر لخريطة العالم في الأدب فنجد أنّ روايات إبراهيم الكوني فعلاً صنعت اسماً لليبيا في العالم الأدبي، وذلك لانتشار ترجماتها تقريباً لأربعين لغة وهو انتشار لم يصل له أي أديب ليبي سبقه أو تلاه. والكوني أديب مهاجر من ليبيا منذ نهاية الستينات، درس وعمل وأنتج إبداعه في الخارج. فما الذي نريد قوله حينما نتهمه بالترفع عن وطنه؟ ولماذا نستغرب ملامح الاغتراب فيه وهو المغترب فعلاً؟

لا يوجد حدث أدبي أو ثقافي جديد يضع الكوني في واجهة النقاش اليوم، ومن الغريب أن تُقتبس فجأة مقالة غير مهنية لحوار غير صحفي عنه ويبدأ الجميع في التفتيش عن ولاءاته الوطنية ومواقفه السياسية، هو الأديب الذي قرر أن يكون بعيداً عن السياسة ويتفرغ للأدب والإبداع من سنوات.

إبراهيم الكوني، نقلاً عن مجلة ArabLit & ArabLit Quarterly

ولكن ما أثار انزعاجي هو اعتقاد الكثيرين أن جملة واحدة يمكن أن تختصر انتماء الكوني ومشاعره تجاه الوطن. فنجد من يقف ليسرد أفضال ليبيا عليه (وإن كان الكثير منهاً حقوقاً وتكريمات لأديب يلاقي التكريم من جميع أنحاء العالم) كما لو أنّ الكوني ظهر اليوم وأنكر انتماءه للوطن. وكما لو أننا لا نتابع ولا نقرأ للكوني ولا نشاهد مقابلاته وحواراته. هو الذي يتحدث في مقابلة عام 2019 مع الإعلامية فدوى أبو عامر بحنين وحب لليبيا. وهنا أقتبس جملاً من المقابلة:

“المفارقة هي أننا لا نحب أوطاننا كما يجب أن تحب، ما لم نغترب عن أوطاننا كما يجب أن نغترب”

“الآن بعد أن اغتربت عن وطني واستفقدته أعرف ما معنى أن يموت الإنسان حنيناً في سبيل الفوز بالوطن.

“الوطن دائماً هم وجودي. يتحول لمرض في النهاية، ولكنه مرض مطهر في نهاية المطاف.”

“كل الإبداعات في مديح الوطن”

لا يحتاج الكوني منشوراً مني ولا من أحد ليدافع عن حبه وانتماءه للوطن كما ننتمي له جميعاً، ولكن نحتاج أحياناً أن نتوقف عن إصدار الأحكام واستجواب انتماءات الآخر المختلف عنّا (وخاصة المبدع في مجتمعنا) ونسمح لأنفسنا بسماع وقراءة أفكاره وفكره وكلماته عوضاً عن أن ننتظر هفوات أو جمل ناقصة منتشرة على السوشال ميديا والصحافة غير المهنية.

لمن يبحث فعلاً عن إبراهيم الكوني كما هو، وليس كما يريده أن يكون، أرفق هنا لقاءاته الأخيرة الذي تحدث في إحداها عن الأدب والسلطة، وعلاقته بجائزة القذافي للآداب، وكذلك أرفق إحدى الدراسات عن كتاب “الورم” الذي رمز فيه إلى أفول كل من يحكم بغير عدل ويتجبر بامتلاك السلطة واعتبره البعض توقع لسقوط سلطة القذافي.

حوار ياسين عدنان مع إبراهيم الكوني في برنامج “بيت ياسين”

حوار فدوى أبو عامر مع إبراهيم الكوني في برنامج “مع فدوى”

الجزء الأول

الجزء الثاني

دراسة عن رواية “الورَم” لإبراهيم الكوني ونبوءة الربيع العربي، د.فيصل أبو الطُّفَيْل أستاذ باحث، جامعة القاضي عياض، مراكش/ المغرب

صفحة ويكيبديا عن إبراهيم الكوني وإنتاجه الأدبي

11

لماذا يخدم الناس الديكتاتورية؟

عام 2019 حظيت برحلة دراسية لدولة ألمانيا، وكان من أهداف الرحلة التعرّف على تاريخ ألمانيا وأهم مؤسسات الإعلام وبعض المتاحف. كانت زيارة قصيرة جداً ولكن مليئة بالأفكار الملهمة بالنسبة لي. من ضمن رحلة العمل زرت مع مجموعة من الصحفيين والإعلاميين متحف المقر السابق لمخابرات ألمانيا الشرقية الشيوعية أو ما يُعرف بـ“الشتازي“. 

الشتازي، وزارة أمن الدولة بألمانيا الشرقية القرن الماضي التابع لحزب الوحدة الاشتراكي الألماني كانت بقيادة الوزير إريك ميلكه. أحد أهم أهداف الشتازي كان التجسس على المواطنين بصنع جواسيس من الناس العادية لمراقبة كل معارضة من خلال الشرطة السرية. ببساطة كان الجار يراقب حركات جاره، البائع يراقب المتسوقين، الموظف يراقب زملائه، وأحيانا دون أن يعلموا أنهم يعملون لصالح الشتازي. 

حزب الوحدة الاشتراكي كان الحزب الحاكم في المانيا الشرقية والمسيطر على جميع الموارد والمؤسسات والمالك لجميع المصانع والانتاج تلك الفترة، وكانت له كافة الامور للسيطرة على حياة الناس. الحزب كان يقرر عنهم أين يسكنون، أين يدرسون، متى يتحصلون على اجازة، الخ. خلال الجولة في المتحف كانت لي فرصة أن أرى التقارير المشفرة التي تُجمّع عن المواطنين وقائمة اهتماماتهم. كما اطلعت على أنواع مختلفة من طرق تخبئة كاميرات المراقبة، مثل حقيبة تسوق بها فتحة في المنتصف لتعلّق بها كاميرا مراقبة. 

رافقنا في جولة المتحف مدير المتحف وهو أحد المعتقلين السابقين من قِبل الشتازي، مدير المتحف رجل لطيف في السبيعنات من عمره، يحدثنا بهدوء وبلغة المثقف والمتسامح عن مفهوم الديكتاتورية. “علينا أن نفهم الدكتاتورية، ليس فقط أن نعارضها” يقول مدير المتحف الذي يحمل فلسفة عميقة عن العدالة “فلنتخيل الدكتاتورية كسيارة دهست أرنباً، يهمنا أمر الأرنب الضحية بالتأكيد، ولكن يجب أن تهمنا أيضاً السيارة، علينا أن نفهم الديكتاتورية كما نفهم محرّك السيارة، كيف تعمل، وما ملامحها، والأهم من ذلك كله: لماذا يقوم الناس بخدمة الديكتاتورية؟“. 

غرفة اجتماعات جهاز أمن الدولة بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، متحف الشتازي

قرأت الشهر الماضي رواية ”حفلة التيس“ لماريوس بارغاس يوسا، وهي ما ذكرتني بزيارة متحف الشتازي. من خلال الرواية نلقي نظرة قريبة على عالم ديكتاتور الدومينيكان رفائيل تروخييو. تنقلنا من عدة زوايا نجد فيها أنفسنا مرة نرى نقاط ضعف وقوة ”التيس El Chivo“ وأحياناً أخرى ضحاياه من المواطنين والنساء، وفي أحيان كثيرة وجدنا الرواية تتحدث عن أكثر الشخصيات جدلاً بين التيس وضحاياه، وهم حاشيته والموالون له. ومن ضمن هذه الحاشية ظهرت المعارضة والرغبة في الانتقام والثأر، إذ من بين المقربين للسلطة خرج قتلة تروخييو الذين اغتالوه في مايو 1961. 

تجيب الرواية عن السؤال الذي طرحه مدير متحف الشتازي ”لماذا يقوم الناس بخدمة الديكتاتورية؟“، إذ تضعنا من زاوية نظر وأفكار الحاشية المقربة من تروخييو وكذلك العاملين معه والمستفيدين من سلطته. وخلال الرواية نقرأ هجوماً قوياً بخطاب سيدة من الدومينيكان تجاه والدها الكهل الذي كان يعمل في حكومة تروخييو. الابنة تواجه والدها الذي فقد قدرته على الكلام بلوم قاسي يعكس قسوة الحياة التي وُلدت فيها، وكونها إحدى ضحايا الاستغلال الجنسي لتروخييو. تقول له:

“أهناك ما يستحق كل ذلك يا أبي؟ أكان الوهم بالتمتع بالسلطة؟ أحيانا أفكر أن لا. وأن الازدهار كان أمرا ثانويا. وأنكم في الحقيقة. أنت، وأرالا، وبيتشاردو، وتشيرينوس، وألفاريث بينا، ومانويل ألفونسو، كنتم تستلذون التلوث بالقذارة. وأن تروخييو قد أخرج من أعماق أرواحكم ميلاً مازوشياً، ككائنات تحتاج إلى من يبصق عليها، يهينها، لأنها بالتحقير تجد ذواتها.”

مقهى صوفي، القاهرة يوليو 2022

في تحليله الخاص للجواب عن لما يخدم الناس الديكتاتورية -بالنظر لتجربته كمواطن عاش بألمانيا الشرقية- يقول مدير متحف الشتازي “الناس يميلون لأن تكون لهم الرغبة في العيش الهاديء ولا يهتمون بالسياسة. نجاح أي شخص كان يعتمد على رغبة الحزب في النجاح او الولاء للحزب، البشر يميلون للعيش بهدوء وتواضع وكانوا على استعداد لأن يستسلموا للحزب.“ ويضيف ”الاتكالية الاقتصادية للفرد على الدولة أثرت على أن أمن الدولة لم يحتاج أن يكون دموياً وعنيفاً، كان يجمع المعلومات بشكل مستمر عن استعداد الأفراد للخضوع للحزب أو معارضتهم.“

في كتابه ”قرن الديكتاتوريات“ الذي نُشر عام 2019 عن أهم وأعتى الشخصيات الديكتاتورية الذي تميز به القرن العشرين، يقول الكاتب أوليفييه غوز ” الدكتاتور هو الحاكم الذي يستأثر لنفسه بكل السلطات، ويحكم بحسب مصالحه الخاصة وغرائزه، مبيحاً لنفسه تسليط المظالم، وممارسة سياسة تقوم على العنف والترهيب من دون أيّ اعتبار لأبسط المبادئ الإنسانية.  والدكتاتور يحب أن يكون معبوداً من قبل الجماهير، وأن تقام له التماثيل في الساحات العامة، وأن تنظم القصائد في مدحه وتمجيده. ولكي يظل في كرسي السلطة هو يحارب المعارضين له بشدة، بل قد يقتلهم وينفيهم ويحرمهم من العمل“. 

بالحبّ الأصيل للتبجيل كان مسمى ”التيس“ في جمهورية الدومينيكان هو الجنراليسمو، المنعم، أبي الوطن الجديد، صاحب الفخامة، الدكتور رافئيل ليونيداس تروخييو مولينا. ومن خلال هذا الاسم مُنح من قبل حاشيته قدسية تضمن له ولاءات مستمرة. وقد ساهمت السلطات التي يملكها تروخييو في جعل كل من حواليه إما تُبّعاً بسلطة القوة والابتزاز والاستغلال الجنسي والمادي، أو مخلصون مؤمنون بالجنراليسمو المنعم. كان من الصعب أن يكون الدومينيكاني ناجحاً وذو مكانة قوية في المجتمع والدولة دون أن يتلوث بقذارات الديكتاتورية. تقول إحدى شخصيات الرواية ”أسوأ ما يمكن أن يبتلي به الدومينيكاني هو أن يكون ذكياً أو كفؤاً“ إذ أنه ما أن يتميز حتى يستدعيه تروخييو ”لخدمة النظام، أو لخدمة شخصيه، وعندما يستدعيه أحد ليس من المسموح له أن يقول لا“. 

(1961-1891) رافائيل ليونيداس تروخيو مولينا 

تتصارع عدة شخصيات بين الماضي والحاضر في الرواية مع ما تسببه نظام تروخييو من مآسي، والصراع الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي كان داخل قلب وعقل الموالين للنظام. فهؤلاء هم من يخدمون سلطة وحشية بمهاراتهم وأفكارهم ومناصبهم سواء العسكرية أو المدنية منها. ويعلقون في شباك الديكتاتورية بصورة أبدية. يجعلنا يوسا نرى أّنهم بطريقة أو بأخرى يعون أنهم مخطئون في الإخلاص لجنون عظمة الديكتاتورية، ولا مهرب لهم. إحدى شخصيات الرواية، أنطونيو دي لاماثا تعاني من تقلبات في نظرته نحو تروخييو:  

”لم يعد يتذكر كيف بدأ ذلك، كيف بدأت أول الشكوك، الظنون، الاختلافات التي قادته إلى التساول عما إذا كان صحيحاً حقاً أن كل شئ على ما يرام، وإذا ما كان وراء هذه الواجهة لبلد يتقدم بالقوة تحت القيادة الصارمة، إنما الملهمة، لرجل دولة خارج عن المألوف، مشهد محزن لأناس محطمين، مهانين، مخدوعين، وتنصيب لكذبة كبيرة من خلال الدعاية والعنف.“ 

أنطونيو دي لاماثا هو شخصية حقيقة ساهمت في اغتيال تروخييو عام 1961 ضمن حركة 14 يونيو المعارضة للنظام والتي ساهمت في إنشاءها الأخوات ميرابال. تسلط الرواية الضوء على نضال الأخوات اللواتي تم اغتيالهنّ من قبل نظام تروخييو بعد معارضتهنّ القوية والعلنية له يوم 25 نوفمبر. وفي هذا التاريخ سنوياً تعمل الأمم المتحدة للحد من القضاء على العنف ضد النساء في حملة عالمية تخليداً لذكراهنّ. يصل أنطونيو الذي انضم للمعارضة إلى نتيجة ضرورة قتل تروخييو لتتوقف الاغتيالات الدموية للمعارضين، خصوصاً بعد تعرّض أخيه للاغتيال بأمر من النظام بينما كان أنطونيو رجل أعمال يعمل عند تروخييو ومن أشد المخلصين له. وهنا نجد أنطونيو يخسر آخر قدرته على تحمّل الموت البطئ الذي يجلبه له العمل تحت النظام الوحشي للتيس: 

 سيسقط التيس برصاصة ضحية أخرى من ضحاياه، برصاص أنطونيو دي لاماثا الذي قتله تروخييو أيضاً، قتله بطريقة أبطأ وأخبث من تلك التي صفى بها الآخرين بالرصاص أو بالضرب أو الإلقاء بهم إلى أسماك القرش. لقد قتله على مراحل، منتزعاً منه الوقار، الشرف، احترامه لنفسه، مرح الحياة، الآمال، الرغبات، وخلّفه جلداً وعظماً معذباً بهذا الضمير الموجوع الذي يدمره شيئاً فشيئاً منذ سنوات.

 

حقيبة تسوق مزودة بكاميرا للتصوير السري، متحف وزارة أمن الدولة بألمانيا الشرقية سابقاً

يتسأل أنطونيو”هل ستصبح جمهورية الدومينيكان أخيراً بلداً عادياً، فيه حكومة منتخبة، وصحافة حرة، وقضاء جدير بهذا الاسم؟“ وبعد سنوات طويلة، الدومينيكان اليوم جمهورية ديمقراطية بدستور يضمن توزيع السلطات وحرية التعبير وإن لا زالت مثل جميع بلدان العالم تعاني من تحديات الفساد السياسي وغيرها من المشاكل. ٍٍقُتل أنطونيو بعد أيام قليلة من مقتل تروخييو على يد الموالين لتروخييو الذين استمروا في الحكم فترة من الزمن قبل أن تعترف جمهورية الدومينيكان بسقوط نظام تروخييو ويصبح قادة حركة 14 يونيو أبطالاً شعبيين. غنى شعب الدومينيكان بعد أن تنفست بلدهم وتجرّد تروخييو تماماً من قدسيته السابقة ”الشعب يحتفل بحماس كبير بعيد التيس، في الثلاثين من أيار قتلوا التيس“. 

وبينما يتجوّل بنا مدير متحف الشتازي ندخل القاعة التي جلس وزير الشتازي إريك ميلكه الذي شغل منصبه لإثنين وثلاثين عاماً، يخطط، يصنع القمع، ويحرّك عجلة الديكتاتورية، بكل أمان وسرّية. ويقول لنا: “فيما مضى، كانت هذه قاعة فقط لأعضاء حزب الوحدة الاشتراكي،  واليوم أصبحت مكاناً أثريّاً، يزوره الناس من كل العالم، وبإمكان أي شخص دخوله…وقد تجرد تماماً من هيبته“. 

تروخييو طاغية الدومينيكان هو مثل كل طغاة عالمنا، مهووسو السلطة حدّ شق طريقهم إليها بالدماء والاستغلال للناس ليكونوا خدماً مخلصين قهراً لسلطة النظام الوحشية. لا يمكن أن تنتهي من الرواية دون كراهية جديدة للطغاة ولكن أيضاً بمفهوم أكثر إنسانية لهم. إذ تضعنا الرواية التي تعتمد على أحداث تاريخية في حذاء المؤمنين بالأنظمة الديكتاتورية، وكذلك العاملين في سبيلها وحاشية الديكتاتورية وما الذي يدفعهم للبقاء داخل دائرة وحشية مظلمة في التاريخ.

أن تقرأ أن تقرأ لوليتا في طهران

كبداية وجدت نفسي مخطئة بخصوص عنوان الكتاب ونوعه، فقد قرأت العنوان عدة مرات بسكون على ألف ”تقرأ“. وهكذا كنت أعتقد أنّ الكتاب رواية عن فتاة تسمى لوليتا تقرأ الكتب في طهران، إيران. غير أنّه كتاب أقرب لسيرة ذاتية عن الأستاذة الجامعية آذر نفيسي تقرأ مع طالباتها في طهران رواية ”لوليتا“ لنابوكوف إبان ثورة الخميني. 

منذ بدأت قراءة الكتاب امتلكتني شعور بالقرب الذي دعتنا له نفيسي منذ البداية، شعرت بشكل كثيف بمعظم المشاعر التي تملكتها وإن لم تشارك الكثير من عواطفها. فخلفية هذا الكتاب تحدث في وقت تشعر فيه نفيسي وغيرها الكثيرين من تهديد للحريات الشخصية والعامة حدّ الرعب. وإن اتفقنا مع ما تحبّ نفيسي أن تفعله في حياتها الشخصية أم لا، فنحن نستشعر مخاوفها من أوقات قد تُقتل فيها امرأة فقط بسبب شعرات خرجت من تحت الشادور الذي تغطي بها وجودها كله. 

تدعونا نفيسي بكلمة واحدة ”تخيل“ منذ البداية إلى جلسات الشاي والقهوة التركية وباقات الورود والمعجنات والكثير من الأحاديث حول الأدب في غرفة الجلوس ببيتها مع مجموعة من الشابات المثقفات في طهران. تبدو جلسة لطيفة وعادية، ولكنها كانت استثنائية وفعل أقرب للمعارضة حين كانت شخصيات أدبية خيالية تُتهم بنشر الانحلال وتُحاكم على سلوكياتها الأخلاقية. 

مطلع الثمانينات وآخر السبعينات هو خلفية حكايات نفيسي، حينها جاءت الثورة الإيرانية بقيادة المعارضة الوحيدة المهيمنة في المجتمع الإيراني ذاك الوقت، وهي رجال الدين الشيعة بقيادة آية الله الخميني. شاركت النساء بقوة في الثورة التي أصبح الحجاب رمزاً لها بعد أن خرجت مظاهرات واسعة ترتدي فيها النساء الشادور الإيراني -سواء كنّ محجبات أم لا- فقد كان الحجاب التقليدي الإيراني فعل سياسي تجاه سلطة الشاه القعمية. إذ منذ عام 1936 تم حظر الشادور الإيراني من قِبل الشاه اتباعاً لحظر الحجاب من قِبل أتاتورك، وكانت للشرطة الإيرانية أوامر صارمة لمنع وتخريب الشادور وأوشحة النساء. يعتبر علي شريعتي -ملهم الثورة الإيرانية- الحجاب الإيراني أكثر من لباس تقليدي وديني، فهو فعل سياسي تجاه الاستعمار الغربي. إذ يقول في كتابه مسؤولية المرأة ”هذا الجيل من الفتيات يرتدي الزي الإسلامي ليعلن للاستعمار الغربي وللثقافة الأوروبية: أنك تحايلت 50 سنة ورسمت المخططات لإدخال في الثقافة الغربية وأنا أقول لك بزيّ هذا: لا، ولتسقط جميع مخططاتك وما فعلته على مدى 50 سنة، ولن يتسنى لك أن تغيرني.” 

نرى نفيسي من خلال الكتاب كشخصية متحررة وأكاديمية درست الأدب في أمريكا ولها أسلوب حياة متأثراً في الغرب فيما يبدو -في مرحلة ما بعد الثورة كان من المهم تحديد الأشخاص المتأثرين بالغرب لمساءلة انتماءاتهم- ولكنّها في ذات الوقت دعمت ثورة الخميني، الأمر الذي ندمت عليه لاحقاً وأدى بها للهجرة للولايات المتحدة الأمريكية. لم يكن مهمّاً بالنسبة لاذر نفيسي بعد الثورة سوى أن تقوم بتدريس الأدب كما تحب، بينما تحلل الشخصيات والقالب الروائي مع طلبتها. تركت نفيسي العمل كأستاذة في الأدب بجامعة طهران بعد فرض الجمهورية الإسلامية في إيران ارتداء الحجاب في أماكن العمل -وفي كل مكان لاحقاً-. إذ قام الخميني مباشرة بعد سقوط الشاه بتقييد العديد من الحقوق المتعلقة بالمرأة والأسرة في إيران ومن ضمنها إلغاء قانون الأسرة، إقرار زواج المتعة، تقليل سن الزواج للنساء لتسعة سنوات، منع النساء من العمل في القضاء، الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة وإقفال حضانات الأطفال. وكما أجبرت قوانين منع الحجاب النساء على تفضيل المحجبات البقاء بالمنزل عوضاً عن المشاركة في الحياة العامة، فقد فضلت النساء غير المحجبات ترك العمل عوضاً عن الالتزام بقوانين الدولة الجديدة. وهو ما أدى في نهاية الأمر لتقليل القوى العاملة من النساء عاماً بعد آخر. 

ما أن تركت نفيسي العمل بالجامعة عادت لقراءة الأدب، وفي الوقت الذي تسقط قذائف صدام حسين على مدينتها ويركبها الخوف على أطفالها حدّ ترك النوم، كان الأدب وحده من يمر بها عبر الضغوطات. عادت نفيسي بعد سنوات لتدريس الأدب كما تحب ولكن تباعاً للقيود الأمنية والاجتماعية على النساء. فلم تكن شخصية نفيسي من المناضلات اللواتي يواجهن النظام بالمقاومة المباشرة وفضلت تدريس الأدب لمجموعة من الطالبات النساء المُختارات في منزلها. تتعامل نفيسي في معارضتها للنظام بأسلوب الإذعان الصامت كما وصفته: 

“الإذعان الصامت: إنه تعبير عن صوفية قاتلة، جعلتنا جميعاً نبدو مسؤولين ولو جزئياً عن خيباتنا التاريخية. لقد فهمت حينئذٍ بأن الإذعان كان -ربما بحكم الظروف المحيطة- هو الخيار الوحيد المتاح لمقاومة الطغيان مع حفظ الكرامة. فلم يكن باستطاعتنا أن “نعبّر بصراحة عما نريد، بيد أننا كنا نستطيع بصمتنا أن نظهر عدم اكتراثنا لما يطالبنا به النظام.

كانت محاضرات نفيسي المنزلية عن الأدب أقرب لنادي للقراءة، تلتقي فيه مجموعة من النساء المخلصات للأدب كل خميس يتحدثن من خلال الأدب عن رؤيتهنّ للمرأة والرجل والحب والعلاقات وتجاربهنّ الشخصية وبالتأكيد أحكام الجمهورية الإيرانية الإسلامية. تقرأ هؤلاء الصديقات كتباً مثلا ”لوليتا“ وهي إحدى أكثر الروايات جدلاً في عالم الأدب، لكونها في قالب سري ذاتي لرجل بيدوفيلي يغتصب طفلة في الثانية عشر من عمرها. كانت لوليتا رمزية ارتبطت بها هؤلاء النسوة، ورأين أنّها تعبر عن واقعهن كمسلمات تحت حكم شمولي أصولي يسرد كيانهنّ في نيابة عنهنّ. وجدن أن العيش تحت النظام الإيراني أشبه في أن يكن في علاقة جنسية مع رجل لا يرغبن فيه. ببساطة، كن جميعاً لوليتا. 

”كانت الروايات ملاذنا الآمن من قسوة الواقع، فكنا نستطيع أن نعبر بحرية عن إعجابنا بجمالها أو كمالها، تاركين جانباً كل القصص والحكايات عن العمداء والجامعة وميليشيا حماية الأخلاق في الشوارع. كان ثمة براءة من نوع ما تكتنف قراءتنا لتلك الكتب. فقد قرأناها بمعزل عن تاريخنا وتوقعاتنا للمستقبل. لقد كنا مثل أليس بطلة حكاية أليس في بلاد العجائب وهي تركض وراء الأرنب الأبيض على المروج الخضر. لم تذهب تلك البراءة أدراج الرياح، بل لقد أتت ثمارها، لأننا لولا براءتنا ما كنا لنعبر عن أنفسنا، ولا لندرك عجزنا عن التعبير. والغريب أن الروايات التي كنا نهرب إليها من واقعنا أخدت تحفزنا على التساؤل عن ذلك الواقع الذي كنا نحس إزاءه بالعجز أو الخَرس“

عادت نفيسي لتدريس الأدب في جامعة أخرى بعد أن وُجد احتياج لطاقم تدريس متخصص ومهني في مجال الأدب بعد الحرب الإيرانية العراقية. قبلت نفيسي أخيراً بشرط ارتداء الحجاب ولكنها اشترطت عدم تقييد حريتها في اختيار الروايات التي تقوم بتدريسها، وهكذا كان الاتفاق. كان الطلبة في ذات الوقت يتعاملون مع الأدب بشكل شخصي جداً حدّ اتّهام شخصياته بالانحراف الأخلاقي واستجواب نفيسي حول سلوك النساء في روايات جين أوستن على سبيل المثال. كانت نفيسي تحاول أن تربط بين الحياة والأدب بطريقتها الخاصة، دون أن تجعل منه فرصة لرفض الغرب -الذي تأتي منه هذه الروايات في محاضراتها- وإنما لمحاولة فهمه، لوضع أقدامنا في أحذية الآخرين. تقول نفيسي في محاضراتها: 

”وقلت: نحن لا نقرأ غاتسبي لنعرف إذا كان الزنا خيراً أو شراً، وإنما لكي نعرف أن قضايا مثل الزنا أو النزاهة والزواج، هي قضايا معقدة في الواقع. وإن الروايات العظيمة تجعلنا نسمو بأحاسيسنا ورهافتنا تجاه تعقيدات الحياة والناس، وهي تمنحنا الحماية من مفاهيمنا الشخصية من الخطأ والصواب، تلك المفاهيم التي تعتبر الأخلاق قوالب ثابتة للخير والشر“

أن تقرأ ”أن تقرأ لوليتا في طهران“ هي تجربة قُرب من كمية هائلة من الذكريات والتجارب ووجهات النظر التي لم أكن لأشعر بها أو أعرف بوجودها لولا رغبة نفيسي بالحديث عن نفسها والشخصيات التي عاصرتها. لم تستطع نفيسي أن تكتب سوى بعد أن هاجرت من إيران، غير أنّها كما تقول دوماً فإن إيران لم تتركها. هذه الحميمية التي تضعنا فيها نفيسي تجعلنا فعلاً نستشعر قيمة الأدب سواء كان كتابة خيالية أو سرداً ذاتياً، في إمكانياتها الهائلة بأن يجعلنا قريبين من الآخر المختلف، وأن نتردي حذاءه لمرة ونفهم أبعادهم المختلفة وأن نمتنع عن أن نكون قاسيين في أحكامنا. 

لم أقرأ هذا الكتاب: عن تجربة الكتب الصوتية

بالتأكيد لم أقرا هذا الكتاب، كنت إما أطبخ غذاء اليوم أو أنظف المنزل يوم العطلة أو أكوي ملابس الأسبوع. لم أكن أقرأ في هذه الأوقات، كنت منهمكة جداً في العمل المنزلي الذي لا يترك لي مجالاً غالباً للقراءة. ولكنني طيلة ذلك الوقت كنت مقتنعة قناعة تامة بأنني أقرأ. ليس هذا من وحي الهذيان والهلوسة، فما كنت أفعله أثناء هذه المهام هو أنني كنت أسمع لكتاب صوتي على هاتفي الذكي. على سبيل المثال، سمعت/قرأت 510 صفحة من كتاب ”لماذا ننام؟“ لعالم الأعصاب الأمريكي ماثيو والكر، بالتحديد أخذ مني الأمر 17 ساعة من السماع على مدار أسبوعين. وطيلة وقت سماعه كنت أعتبر نفسي ”أقرأ“ كتاباً، وقد أنهيته بينما أطوي الملابس صباح يوم عمل عادي. فهل ما فعلته حقاً أنني قرأت؟ 

يجادلني زوجي بأنّ سماع الكتب ليس قراءةً في الحقيقة، وأنه لا يمكن أن يعتبر السماع والقراءة فعلاً مشابهاً حين الانتهاء من كتاب ما صوتياً أو قراءةً. السرحان والانشغال بأمر آخر عوضاً عن متابعة سماع الكتاب هو ما سيخطر على بال أي أحد يقدم على الكتب الصوتية. ولكن الأمر لا يشكل تحدي للـ Multitaskers. توجد أعمال روتينية جداً تدرب العقل على تنفيذها دون وعي، مثل الطبخ وطوي الملابس، وهو الوقت المثالي لي لسماع الكتب. إذ بدل السرحان في عالم آخر من الأحاديث المخيّة العشوائية أحشو ما اعتبره ”وقتاً ضائعاً“ بينما أقوم بأعمال المنزل بكتاب خفيف غالباً. إذ لا زلت اعتبر أن قراءة الروايات أو الكتب التي بها حبكة روائية تحتاج تركيزاً وتفرغاً أكبر وربما حتى ما أعتبره ”إخلاصاً“ أكثر. حتى الآن قرأت إما كتباً فكرية أو علمية أو سير ذاتية قصيرة، ولم أنجح في متابعة قراءة رواية دون شعور بالتقصير تجاهها. 

بدأت علاقتي بالكتب سماعياً منذ المرحلة الجنينية، كانت أمي تقرأ روايات ديستويفسكي فترة حملها بي، وبالتأكيد كانت تقرأ بصوت مسموع لأذنيّ الصغيرتين حينها. لا عجب في أنّي من عشاق روايات ديستويفسكي، أشعار طاغور، وصوت فيروز وأغاني زياد الرحباني، فكلماتهم هي ما تعرّفت عليه قبل أن أولد حتى. أول كتاب لي فيما يخبرني والدي هو ”أحكي لي حكاية“، وهو قصة لطيفة عن فتاة تذهب موعد نومها إلى فراشها، بينما تجلس والدتها على كرسّي بجانبها وتطلب منها الفتاة ”ماما، أحكي لي حكاية“، فتبدأ والدتها في أن تحكي في دوائر مفرغة عن ثعلب وفيل وفأر وزرافة صغار يتكؤون في فراشهم وفي كل مرة يأتي دور أحدهم ليقول لوالدته ”أحكي لي حكاية“ وتمضي القصة من حيوان لآخر حتى يأتي النُعاس. وهكذا كان أول كتاب لي، كتاب صوتيّ يسرده والدي لي كل ليلة. ومن هنا بدأت علاقتي مع الكتب، بسماع حكايات وحكايات من قصص الأطفال الجميلة التي امتلأت بها مكتبة بيتنا. 

قرأت/سمعت منذ بداية السنة ما يقارب 7 كتب صوتية، واحد منها فقط بالإنجليزية. أجرّب حالياً Storytell الذي يوفر سهولة متابعة الكتاب وخيارات متنوعة – وإن كانت محدودة- للكتب العربية. غالباً ما أحتاج ساعة واحدة في اليوم للكتاب، وتكون موزعة بين الأوقات التي أنشغل فيها بأعمال لا تتطلب الكثير من التفكير أو أثناء الانتظار. يندر أن خصصت وقتاً متفرغاً بالكامل لسماع الكتاب الصوتي، أي أن أجلس على سبيل المثال دون أن أفعل شيئاً سوى سماع الكتاب كان بالنسبة لي أمراً مرهقاً وربما حتى مشتتاً. ويمكن لي تلخيص هذه التجربة المختلفة والرقمية لقراءة الكتب في بعض ملاحظات ونتائج توضح اختلاف الكتاب الصوتي عن البصري (الورقي أو الالكتروني). ولا يعني ذلك بالضرورة تفوق الكتاب الصوتي عن غيره، إذ كنت طيلة هذه المدة أقرأ كتباً ورقية وإلكترونية التي غالباً ما كانت كتباً أدبية. وهنا أشارك أهم نتائج تجربتي مع الكتب الصوتية: 

  • غسل الصحون صار ممتعاً 

غسل الصحون عادة يومية ضرورية مزعجة في تكرارها الذي يبدو أبدياً. كنت في كل مرة أدخل فيها للمطبخ أشعر بأني أخسر وقتاً ثميناً، إذ لا شئ يفعله عقلي في انتظار أن يفرغ المجلى، والطاولة، والغاز، وكل الأنحاء أمامي من الصحون المتسخة. ذاك السرحان الرومنسي الذي يجلب الأفكار الإبداعية ويجعل من أشخاص مثل أغاثا كريستي ينتجون أعمالاً فنية يبدو لي وحي خيال. بالنسبة لعقل ملئ بالـ Overthinking تصبح مهمة غسل الصحون لقاءاً ملحمياً لكل الأفكار السريعة المتداخلة والتي تنتهي بعد انتهاء المهمة وأنا أتسآل: ما الذي أوصلني لهذه الأفكار الآن؟! منذ الكتب الصوتية تغيّر الأمر، تخلصت من أفكار عشوائية غير مفيدة وغير ناضجة بما يكفي للاستعمال البشري واستبدلتها بمعلومات وفِكر وتحليل ونقاشات ومجادلات علمية وسياسية وحقوقية. إذ ربطت عادة غسل الصحون مباشرة بسماع الكتاب الصوتي، وصرت في كل مرة أدخل فيها للمطبخ أتحمس لأنني سأكون مع لقاء جديد لا مع الصابون والوركينا والسيدة ملعقة وزيت القلي المحترق فقط، إنما في لقاءات متجددة مع قاسم أمين، ماثيو والكر، نوال السعداوي، عباس العقّاد وغيرهم. 

  • لاملل في الانتظار 

أكره الانتظار، لأنه فعل أن لا أفعل شيئاً. لا أعرف كيف يمضي الناس أوقاتهم في أنواع الانتظارات المختلفة، ولكنني غالباً ما أكون وحيدة أو أفضل أن أكون وحيدة أوقات الانتظار الطويلة كانت أو القصيرة. كل كميات الوقت الضائع في الانتظار والذي لا يجلب سوى التوتر والقلق ولعن سُلالة مالكي الخدمات الخاصة والعامة أصبحت منذ بدأت قراءة الكتب الصوتية مِلكي، لا ملك من أنتظرهم. ما أن أعرف بأنني على موعد مع الانتظار أخرج كتابي الصوتي وأدخل في عالم آخر جديد بسهولة، ضاربة بالانتظار عرض الحائط. ذات مرة، كان عليّ أن أمر باختبار طبي لحساسية اللاكتوز، وكان يجب أن يتم اختبار تأثير اللاكتوز عليّ لمدة ثلاث ساعات متواصلة، لا أفعل فيها شيئاً سوى أن أنفخ في أنبوب الاختبار الصغير كل ربع ساعة، وكل ربع ساعة تمضي وأنا أحدق في الفراغ أمامي. لم ينقذني من ذاك الملل الرهيب الباعث للجنون سوى الكتاب الصوتي وسماعات الأذن، في كل ربع ساعة كنت أسمع مقطعاً من الكتاب، ومع نهاية الاختبار كنت أتممت كتاباً جديداً، دون أن يعرف أحد مما حولي ما كنت أقرأ، ودون أن يتطفلوا ببدء نقاشات يكسرون بها مللهم الخاص وعظام رقبتنا نحن الإنطوائيون، كما يفعل الكثيرون في قاعات الانتظار في المصحات. 

  • لذة الالقاء الصوتي 

لست مع فتح باب النقاش حول إن كانت الكتاب الصوتي أفضل من الورقي أو الرقمي، بالنسبة لي كله فعل قراءة، وكلها ذات الكتب بطريقة وصول مختلفة. ولكن إن كان للكتاب الورقي ميزة حاسة اللمس ولذة تقليب الصفحات والتآلف مع الورق وملمسه وغلافه، للكتاب الصوتي لذة السماع الالقاء لجميل. وهي ميزة وجدتها في Storytell بأنه لم تخذلي مرة جودة قراءة الكتاب، وضوح تام للكلمات ونطق سليم للعربية الفصحى، وخامات صوت متناسقة تماماً مع نوع الكتب. أعادت لي هذه التجربة حبّ سماع الالقاء الفصيح، وقوّت علاقتي السمعية مع اللغة العربية خاصة للكتب المكتوبة في أصلها بالعربية أو ذات الترجمة القوية. كما أنّ تجربة سماع كتاب إنجليزي كان لها تأثير سماعي جميل من حيث تنويع صوت الملقي الذي يغيّر من نبرته وحدة صوته لو سردت شخصية ما غير الراوي جملاً معينة في الكتاب، وهو ما لم أجده في الكتب الصوتية العربية. جاذبية الأصوات الجميلة في الكتب التي قرأت زادت من ارتباطي بالكتاب وحماسي لسماعه في كل مرة ليس فقط لأتابع السرد ولكن أيضاً لأحظى بتجربة سماع ممتازة للغة. 

  • قراءة الكتب المملة 

وجدت ميزة في قراءة الكتب الصوتية ضمن الاختيارات المحدودة التي أمامي حالياً، إذ غالباً ما أختار كتاباً ما حسب مدته الزمنية (لا زلت لم أتجاوز كتباً بأكثر من 17 ساعة)، أو حسب شهرته، أو فقط من باب التجربة. ومثل أي كتاب أتعرّف عليه عبر موقع Goodreads أو بسماع الجزء الأول منه. أحياناً أجد أن سرد الكتاب ممل من حيث المعلومات وتكرارها أو من حيث كونها قد تجاوزها الزمن حالياً. وهو ما حدث لي عند سماع ”تحرير المرأة“ لقاسم أمين. لو كان الكتاب ورقياً، لما استطعت قراءته بمتعة وربما لما أتممته. ولكن توجد ميزة أحببتها جداً في التطبيق، وهي خاصية Playback speed، التي تتيح أن أسمع الكتاب بسرعة أكبر. لخصت لي هذه الخاصية السرد الممل لما صار اليوم بديهيات بالنسبة لما كتبه قاسم أمين، دون أن أخسر تجاوز صفحات من الكتاب أو تركه في حال كان ورقياً. سمعت الكتاب بسرعة 1.5X لأتجاوز ملله، رغم وعيي بأهمية هذا الكتاب وتأثيره في عالمنا اليوم. كان من السهل قراءة كتب غير جذابة كثيراً للقراءة في العادة بالنسبة لي والخروج عن المألوف من نوع قراءاتي، خاصة وأنني لا أبحث عن قراءة الروايات ككتب صوتية. وهو ما أخرجني من منطقة الراحة لنوع قراءاتي والتعرّف على كتّاب وكتب كانت لي إنطباعات مسبقة عنهم دون أن أتحمس لقراءتهم. 

كخلاصة، فالكتب الصوتية لا تختلف كثيراً عن غيرها، ولكن علاقتنا بها وحواسنا المرتبطة بها قد تكون مختلفة. ومع أنّها تبدو تجربة جديدة ومختلفة وحديثة نسبياً أن نسمع كتاباً صوتياً على تطبيق في هواتفنا الذكية، إلّا أننا غالباً ما ارتبطنا بالكتب الصوتية قبل كل شئ. فكما تبدأ علاقتنا بالكتب منذ الطفولة سماعيةً قبل أن نتعلم قراءتها، فإنه يمكن التأمل في أنّ الأصل هو سماع الكتب قبل قراءتها. فالتاريخ يخبرنا بأن القراءة لم تبدأ سوى مع اختراع الكتابة، غير أن للحكايات والمعرفة تاريخاً يسبق التدوين. كيف تجولت حكايات شهرزاد في العالم؟ وكيف آمن المسلمون الأوائل بالقرآن الكريم؟ وكيف سافرت كل الحكايات الخرافية من ثقافات بعيدة إلى قصص أطفال هانس كريستيان أندرسن؟ كل ذلك حدث بأن نسمع، قبل أن ندوّن ونقرأ.

ما الذي ستستفيده إن فهمت أن الأرض ليست مسطحة؟

تثير اهتمامي أحياناً النقاشات التي تدور في الصفحات الليبية عن موضوعات تتعلق بعلم الفيزياء الفلكية Astrophysics، هذا العلم الذي يحتاج فهمه للحصول على معرفة بالرياضيات أو الفيزياء والذي أرى أنّ نظام التعليم الليبي لم يكفه حقه ولم يستطع تأهيل أجيال قادرة على فهم كيف يعمل عالمنا الفيزيائي. فالنقاشات السطحية حول كروية ودوران الأرض أو النقاش في أخبار عاجلة عن وصول مركبات روبوتية إلى المريخ توضّح الكثير من النقص للمهارات الأساسية التي يحتاجها مستخدمو التكنولوجيا اليوم.

يبدو لي وجود افتقار واضح للقدرة على تحليل المعلومات القائمة على مبادئ الفيزياء، وهو ما لا يوجد لوم عليه كونه أحد نتائج المنظومة التعليمية الليبية. غير أنّه بالإضافة لذلك، يتضح لي الضعف في القدرة على تحليل المعلومات الزائفة والمضللة، وانعدام التفريق بين المصدر العلمي والمصدر الزائف، ضعف في قراءة الاحصائيات والنِسب والتقديرات الرياضية. عدم فهم ما يعنيه مصطلح “نظرية”، أو “دراسة علمية” أو حتى كيف تتم قراءة نتائج استبيان أو مسح احصائي. هذا الضعف يقود للكثير من المغالطات والنتائج الخاطئة والأفكار الشائعة المزيفة، لا فقط تجاه علم مستقبلي معقد مثل فيزياء الفلك، ولكن اتجاه كل أنواع المعارف والمعلومات المتوفرة على الإنترنت. بما يجعل من المستخدم للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي غير قادر على قراءة وفهم المعلومات المتاحة أمامه، وقد يسهّل من القدرة على انقياده في اتجاهات فكرية متطرفة أو يسهل استقطابه سياسياً أو حتى توجيهه نحو اختيارات شخصية مربحة لمسوّقين في قطاعات معينة.

يقول أحد المتابعين للنقاشات العلمية “ما الذي سأستفيد منه شخصياً إن اقتنعت بأن الأرض كروية أو مسطحة؟ لن يتغير شيء في حياتي” بالتالي، فهو لا يهتم بتحليل مثل هذا النوع من المعلومات، ويتركه كنقطة رأي عام جدلية تحتمل الصواب والخطأ طالما لا تؤثر في مسار حياته الشخصية. غير أنّ هذا الافتقار لفهم المعلومات وتحليلها وانعدام القدرة على التفريق بين المعلومة والزيف، هي مهارة ضائعة مهمة في القرن الواحد والعشرين، ويطلق عليها “الوعي المعلوماتي”، وعدم امتلاك هذا النوع من المهارات يسمي بـ”الأميّة المعلوماتية”.

تصف لجنة الوعي المعلوماتي في جمعية المكتبات الأمريكية هذه المهارة بأنه ليكون الشخص واعياً معلوماتياً “يجب أن يكون قابلا لاكتشاف المعلومة حين يحتاجها، وأن تكون لديه القابلية لتحديد مكانها، وتقييمها، والاستعمال الفعال للمعلومة متى احتاجها”. الوعي المعلوماتي اليوم مهارة مهمة للتوعية بأهميتها، ترتبط بنا ابتداءً من خياراتنا في التسوق، مروراً بفهمنا للأخبار اليومية عن نتائج التكنولوجيا المتقدمة، وتنتهي باختيارنا للقادة السياسيين وانتماءاتنا الفكرية وتوجهاتنا السياسية، وحتى فهمنا لديننا.

طالما لم توجد حملات حقيقية نابعة عن رغبة في توعية المجتمع بمواجهة الأمية المعلوماتية وعدم وجود خطط لإدماج مهارات الوعي المعلوماتي ضمن مناهج التعليم واستمرار انتشار الأخبار الزائفة واعتبار الموضوعات العلمية مجرد فكرة يسهل نقاشها مع الجميع فإننا سنبقى مهددين بسهولة توجيهنا نحو خيارات قد لا نفهمها جيداً أو نملك الوعي الكافي لاتخاذها لانتشار البارانويا والتفكير اليقيني والاعتقاد بالمؤامرة ورُهابنا من الآخر المتقدم تكنولوجياً القادر على تزييف المعلومات أمامنا نحن الذين يمكننا التحقق من خداعه فقط لأننا نملك الهاتف الذكي الذي صنعه في يدينا وعشرون عاماً من تراكمات التعليم في نظام ديكتاتوري ودولة ديستوبية علمتنا بأن 2+2 تساوي دوماً 5.

أفق مفتوح والكثير لإكتشافه…ما كتبه المسبار الروبوت المسمى “مثابرة” من على سطح المريخ في تغريدة له على تويتر

صديقتي المذهلة، المذهلة

منذ مدة طويلة أعاني من فتور القراءة، ربما لم أجد هذا النوع من الكتب الذي يجذبك بقوة من عالمك المنشغل والصاخب إلى عالم آخر في زمان ومكان آخر. كم اشتقت لهذا الشعور بأن تُشغلني رواية بشخصياتها ومشاكلها بشكل يوميّ، وأن أشتاق لقراءتها في كل لحظة فراغ في يومي. في سبعة أيام مضيت من صفحة لأخرى منسجمة تماماً مع سلاسة السرد والترجمة وخفة تقسيمات الرواية والصفحات، بما يجعل من السهل أن تندمج وتسمع صوتاً في رأسك يقول “صفحة أخرى بعد”.

هذه الحكاية التي تجعلنا ندخل في رأس إيلينا التي تبدو كبطلة الحكاية ولكننا نصاب بهوسها بصديقتها ليلا التي تصبح هي محور الحكايات كلها. الرواية للجزء الأول تبدأ منذ الطفولة وتنتهي بالمراهقة وهو ما يجعلها مميزة، إذ على الرغم من أنّ مطلع الرواية يحكي عن إيلينا التي تقرر وهي في السادسة والستين أن تحكي عن ليلا، إلا أن السرد من خلال عقل طفلة ومراهقة يجعلها تبدو وكأنها قادرة على أن تعود بالزمن وتلتقط كل المشاعر والأفكار التي تحملها عادة الفتيات والمراهقات في هذا العمر. وهو ما يميز الصداقات في هذه المرحلة من الحياة التي تتكون من مزيج من المحبة والفضول الشديد والغيرة والمنافسة والكراهية ومحاولات فهم الآخرين قبل البدء في فهم الذات.

هي رحلة إذاً في علاقة صداقة بين امرأتين من نابولي بدأت نهاية الخمسينات في حي سكني واحد، كيف تتغير هذه العلاقة مع مرور العمر والنضج والوعي وتأثير تغيرات الظروف والأوضاع من حول الشخصيتين؟ هو هذا الفضول الذي تزرعه إيلينا-الراوية- في عقولنا في الكتاب الأول.

لم يكن من السهل العودة للقراءة، ولا حتى الكتابة هنا. دوماً كان الوقت منسلاً وهارباً من بين يدي لتمضي الأيام دون غذاء فكري أو تعبير ذاتي يربط علاقتي المستمرة بالكتابة والكتاب. ربما تلك الحاجة المستمرة للعودة للولع الأوّل بالقراءة أبعدت بعض الملهيات والمبررات لتعود يداي لاحتضان كتاب. وربما هي قصة حوزة كتاب جديد، وبدء العلاقة مع القراءة منذ الصفر. كزيارة غير مخطط لها لمعرض تونس للكتاب في مطلع الشتاء، اللقاء بشخصية إيطالية مذهلة تتحدث التونسية المكسرة وتشجعني بحماس شديد على العودة لشغف القراءة بالبدء برواية تتحدث عن صديقتين من مدينة نابولي الإيطالية. ومنذ عودتي من مطار قرطاج أخدت الرواية طريقها إلى يدي، رغم معرفتي التامة بعدم امتلاكي الوقت الكافي للبدء ذاك اليوم في قراءة كتاب من أجزاء متعددة، وبأكثر من خمسمائة صفحة للكتاب الواحد. غير أن إيلينا فرّانتي، الإيطالية المذهلة الأخرى سحبتني بقوة نحو عالم القراءة، أعادتني للمسات الكتاب وقربه وحبّ امتلاكه والانتماء له وشخصياته المتخيّلة، ومنذ ذاك اليوم، وبعد غياب ما يقارب ثلاث سنوات من فقدان شهية القراءة، لم تترك عيناي ويداي الكتب من جديد. “وعدنا بمثل البدء والعود أحمد.”

رواية صديقتي المذهلة، مع قهوة سيئة الطعم غالية التكلفة في مطار قرطاج الدولي، تونس

عشر سنوات من عمر الشباب

في ذات العام بالتحديد الذي ثار الشعب فيه بأسره على نظام ديكتاتوري امتد لأربعين عقداً…كبرتُ، وصرت راشدة بحكم القانون. وكل التمرد التي تحمله أول سنة في عمر الشباب كان منعكساً من حولي ويتحرك في داخلي. فتحت عيناي للعالم نحو أفكار ضخمة وصادمة، نحو ألوان لم تراها عيناي يوماً، ومشاهد لم تخطر ببالي. كلمات أكبر من رأسي الفضولي والمنبهر بالعالم الذي يتغير أمامه، كلمات كالحرية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، الهوية، الإنتماء، السلام، الثورة….والكلمة الأكبر وقعاً والتي لم تهدأ في قلبي من يوم صار بإمكاني التفكير بها: التغيير.

“أربعين عام سادنا..لا يمكن حد يقولها من داخل بلادنا” سمعنا صوت الرابر المجهول تحت اسم ابن ثابت في مطلع الانتفاضة الليبية عام 2011 من على الفيسبوك، ولم أكن سوى على مشارف عامي الثامن عشر، لم أكن أفهم قبل ذلك العام جيداً ما فعله النظام القمعي للقذافي، كنت أدري بأنه يجب أن أكون حذرة عند ذكر اسم ذاك الرجل، وأعرف أنه لا يُسمح بتكرار النُكت السياسية عنه مهما كانت مضحكة، غير أنه منذ فبراير 2011 مررت بالصدمة تلو الأخرى. الحكايات أخدت تجتمع وترتبط ببعضها، حكايات والدي وأمي عن أربعين عاماً مروا بها تحت سلطة مجنونة ومخيفة لم أعيها سابقاً، قصص السوشال ميديا وفيديوهات صحافة المواطن، تحقيقات الصحافة العربية التي لم تستيقظ لتخبرنا عن هذا النظام سوى ذاك العام، ونشطاء المعارضة الليبية في الخارج على التلفزيون يشتمون رأس الدولة دون مواربة، والتشابه الكبير مع حكايات شعوب الجوار تحت الأنظمة العربية الديكتاتورية. لم تكن أغاني الراب حينها ذات جودة عالية، غير أنّها كانت تلخص حكاية كبيرة وأكبر مما كنت أتصور، قلبي تلك الأيام كان يدق بسرعة، والثورة شعرت بها في دمي وعقلي، كما لو أنني استيقظت فجأة لأجد نفسي داخل رواية عن ديستوبيا في عالم آخر. الثورة لم تكون أمراً سهلاً لاستيعابه لعقلي كمراهقة عاشت في بيئة آمنة ومتزنة طيلة سبعة عشر عاماً دون كل هذا التشويش. غير أنّ أبي كان معي، يرشدني ويشرح لي المصطلح وراء الثاني، ويحكي لي عن جذور الأزمة الليبية، ويمدني بالكتب لأفهم أكثر عن المصطلحات السياسية، ويكشف لي الكذب والخداع الذي بدأ يظهر على الإعلام المحلي، في ذاك العام الغريب تحصلت على الشهادة الثانوية بتقدير ممتاز، غير أنني لم أكن سعيدة بما يكفي لما يحمله المستقبل من ضبابية وحرية اختيار مسار مستقبلي كانت تبدو مخيفة، واقتدت بوالدتي لاختيار دراستي، بعد أن كان كل ما أرغب به ذاك الوقت هو الدراسة بالخارج.

من مذكراتي، الخميس 17 فبراير 2011

لم أشارك بأي طريقة في الثورة، لم أمر بفعل ثوري حقيقي سوى بارتداء قميص مخطط بالصدفة بألوان “علم الإستقلال” تحت الزي المدرسي لألفت انتباه صديقاتي، وبعض الخربشات على المقاعد الدراسية. ولكن الثوران الحقيقي حدث في داخلي وبكل هدوء ظاهري ممكن، الحرية التي نادى بها الشعب الذي زهق من النظام المترهل لم أرها فعلاً سوى داخل رأسي. كانت الحياة بسيطة، وسهلة ويمكن حلّها، ولكن كلما مرّ الوقت والأحداث والنزاعات ومنذ صار التلفزيون جهاز مخيف وجالب لدموع والدتي وامتعاض أبي، صرت أخاف. 

مرت السنة تلو الثانية، واستمرت صدماتي بأن الذي نمر به صار يحمل أسماء أخرى أقل رومنسية وراديكالية، حرب أهلية، نزاع مسلح، انقسام سياسي، صراع على السلطة، ومشاعرنا بالتالي لم تعد تحمل ذات الزخم، وصار له اسم وتشخيص: اكتئاب، قلق، اضطراب ما بعد الصدمة. الأبطال الثوار صاروا إما شهداء، ميلشيات، أو فُسّاد ومتطرفين. وبعد أن كنت أمضي الوقت الكثير أمام التلفاز لمتابعة إنجازات الثورة، تحوّل التلفاز فجأة لشيء مشوه ومشبوه بإمكانه أن يقلب عقلي. ومنذ 2012 تركت متابعة الإعلام الليبي والعربي على القنوات الفضائية حتى اليوم. 

من الرسائل التي رمتها طائرات حلف النيتو على ساحة مدرستي بالثانوية التي كانت مجاورة لباب العزيزية، مركز قيادة النظام السابق

لم تعد “ثورتنا” واضحة لي، لم يعد يسهل اختصار حالتنا في أغنية مبهجة لصلاح غالي، ولم يكن سهلاً التحقق من صدق قادة البلاد، وأنا أسمع والدي صار يردد أكثر بينما يشاهد التلفاز “تي شنو الدفنقي هذا؟” وبينما الحياة تسير بشكل متسارع من حولي، انكمشت شيئاً فشيئاً في داخلي منذ أوّل صدماتي بالواقع الرمادي، أتذكر أول مرة كنت أبكي فيها عندما فهمت أنه يصعب لي فعل أي شيء حقيقي نحو التغيير في مجتمعي، وكان زميلي في حركة طلابية متحمسة يسألني ما سبب انسحابي منها ولم أكن أفهم لماذا، كل ما كنت أعرفه أن الأمور كانت أكثر تعقيداً من أن أكون جزءاً من هذا “التغيير”.

مرت سنوات الجامعة ببطء، كانت أكثر أعوامي اضطراباً، بدأت بعام سمعت فيه الرصاص يُطلق بجانبنا في الحرم الجامعي، نزاعات أغلقت الدراسة بشكل متكرر، وبقايا نظام دراسي استبدادي وفِكر قديم جعل من التعلّم شيئاً مزيفاً ولا يُطاق. بالإضافة لحركة طلابية ضعيفة توّجت بقادة مؤدلجين قتلوا النشاط الطلابي الذي حاولت أن أكون جزءاً منه وهو في مهده. أتذكر ذات يوم جامعي أنني دخلت لمدخل كلية الهندسة يوم السابع من أبريل لآخذ صدمة نفسية خفيفة على وجه الصباح، حين وجدت ما يشبه الأجساد المغلفة في كيس أسود مشنوقة ومعقلة على الجدران، في أعوامي الأكثر تشبعاً برؤية الجثث والدماء كان توقع أن تكون هذه الأجسام جثثاً منطقياً لوهلة، فيما عرفت لاحقاً أنه تمثيل سيئ جداً بأجساد من الورق لذكرى إعدام طلاب السابع من أبريل في عهد القذافي. ومن ذاك الحين بدأت أرى حجم الجنون والفوضى الذي لا يملأ البلاد فقط، إنما أيضاً العقول الشابة للشباب من جيلي.  

مع الوقت، اعتدت على الصدمات وطغيان الموت والفشل وعرقلة الحياة العامة، فهمت أكثر أنه لم يعد من المهم أن أفهم، وأن هدوئي الداخلي صار محتوماً بردة فعلي على الأحداث المفاجئة والطارئة. بدأ اعتياد توقع الأسوأ وسيلة للبقاء، ليس لانعدام التفاؤل (هذه الكلمة التي تعيش خارج الزمن) بل حتى يمكن لقلوبنا أن تتعلّم المرونة أكثر، وأن نتجاوز أثر التغييرات التي تقع خارج أيدينا، وأن نفهم أنها خارج أيدينا. بدا لي الهدوء والبحث عن الاتزان ضمن الفوضى والتكيّف مع الأحداث التي تعصف بحياتنا هو الهدف الأول لتقبل صيرورة الحياة التي لا إمكانية لمقاومتها، أو استرجاعها. وأن الوقت والعمر الذي مضى من أيامنا هو جزء صغير جداً من مرحلة تاريخية ضخمة في هذه البلد والمنطقة بأسرها، لا تطلُب منا الآن سوء الحفاظ على ما يمكن من اتزان نفوسنا ورجاحة عقلنا وحياد عاطفتنا، وأخذ مقعد المشاهد في هذه الرحلة المتسارعة من أعمارنا.

*هذه التدوينات هي محاولة لتجميع بعض الأفكار والمشاعر المختلطة التي شعرت بها في أيام متفرقة مع قرب مرور عشر سنوات على ثورة الليبيين عام 2011.

من أجل تصفح آمن: العنف الإلكتروني في حياتنا كنساء

العنف لا يعرف حدوداً، فهو يمتد على مساحة قارات ويلف الكوكب، يذوب داخل الثقافات ومختلف المجتمعات، ويتلون حسب البشرة، العرق، والنوع الاجتماعي، لا يستثني أحد: نساء، رجال، وأطفال. لذلك لا عجب أن يلقي بظله على “العالم الافتراضي” أيضاً، وقد تم استخدام التطور التكنولوجي كأداة عنف بشكل متكرر، وخاصة نحو النساء وكل من يكسر الصورة النمطية للنوع الاجتماعي.

تختلف فرضيات النوع الاجتماعي من مجتمع إلى آخر، فما يحدد ما هو صحيح وخاطئ حين نتحدث عن الأنوثة والذكورة هو السلطة الاجتماعية، بينما يكسر الكثيرون هذه الفرضيات حول العالم دون أن تسبب لهم الاختلافات البيولوجية الكثير من الإعاقة لتحقيق طموحاتهم، أحلامهم وخياراتهم الشخصية.

على الإنترنت، وفي ليبيا تحديداً، توجد بعض الفرضيات الاجتماعية (سواء تم ارجاع فرضها من العادات أو الدين أو المفاهيم الأخلاقية) التي تضع حركة النساء والفتيات ضمن نمط ثابت، ويؤدي الخروج عنها إلى مشاكل تهدد مستخدمات الإنترنت والسوشال ميديا الليبيات مما قد يرفع من نسبة الخطر عليهن وتقليل شعورهن بالأمان وحرية استخدام الانترنت.

على سبيل المثال، تتعرض النساء للمضايقة حين يتحدثن عن السياسة في الفضاءات العامة للسوشال ميديا، أو حين يبدين رأيهن في قضية أخلاقية تناقش في الرأي العام، بغض النظر عن نوع أراءهن. وتطلق أحكام أخلاقية واجتماعية ضد من تقوم باستخدام صورتها الشخصية على حساباتها على الإنترنت، رغم أن الليبيات قمن بكسر هذه الأحكام بشكل كبير خلال السنوات الخمسة الأخيرة. إلا أنهن لا زلن يتعرض للملاحقة، التحرش، التهديد، الابتزاز، الاعتداء الإلكتروني (اختراقات لحساباتهن) والتشهير والشتم والقذف على الملأ.

نسمع غالباً عن نساء يشكون حصولهن على ابتزاز من مجهول أونلاين قام بإعادة ارسال صور شخصية لهن وإما هددهن بنشرها على الملأ دون مقابل، أو بإبلاغ عائلتهن عنها، أو بطلب مقابل مادي او جنسي. مما يسبب بأضرار نفسية واجتماعية والمزيد من العنف خارج الإنترنت. لماذا يحدث هذا؟ وكيف يتم تجنبه؟

توجد العديد من الاحتياطات التي من الضروري ان تراعيها النساء لتجنب العنف الإلكتروني، فكم مرة ارعبتنا رسالة جديدة على Others  الفيسبوك ماسنجر، حيث نتلقى طيلة السنة المعاكسات وبوادر التعرف من غرباء وألفاظ جنسية وتهديدات وأحيانا صورنا الخاصة. كيف نحمي أنفسنا من هذا الرعب؟

خطوات لتعزيز خصوصيتك وأمانك على السوشال ميديا:

-ألا نقبل بطلبات إضافة ومتابعة لحساباتنا على السوشال ميديا من غرباء، خاصة التطبيقات الخاصة بنشر الصور، فالعديد من النساء يقبلن أي إضافة مما يسمح بدخول المبتزين والمتحرشين إلى الحسابات الشخصية واستخدام صورنا ضدنا.

-أن نكون واعيات بما الذي نقوم بنشره ومن الذي يراه، فحديثنا عن تفاصيل شخصية (جسدية ونفسية) أمام أشخاص لم نكون معهم علاقة تعتمد على الثقة، بإمكانه أن يؤذينا. من المفضل أن لا نتحدث في العام Public عن معلومات خاصة وحميمية، أو نحدد قائمة بالأشخاص الذين نثق بالحديث أمامهم على الفيسبوك ضمن خيارات النشر Publish.

-أن نختار كلمات سر قوية لحساباتنا على السوشال ميديا، وينصح بأن لا يتم تكرار ذات كلمة السر لكل الحسابات، وأن تتكون هذه الكلمات من حروف وأرقام ورموز ومسافات space وحروف كبيرة وصغيرة ( يفضل كلها في جملة واحدة) مما يعزز من قوتها أمام الاختراقات.

-ألا نقوم بفتح روابط إلكترونية ترسل لنا من غرباء أو معارف لسنا على ثقة جيدة بهم إلا بعد سؤالهم عن المحتوى وقراءة عنوان الرابط. فالعديد من الاختراقات تمم بإرسال روابط على الرسائل الخاصة.

-أن نخصص لكل حساباتنا على السوشال ميديا تسجيل دخول ثنائي 2-step authentication والمقصود به أن نعدل خيارات تسجيل الدخول بحيث يتم التسجيل من خلال تأكيدين: كلمة المرور، ورسالة على هاتفنا الخاص أو البريد الإلكتروني. وذلك في كل مرة نسجل فيها دخولنا. مما يبلغنا في كل مرة يحاول أي شخص أن يخترق حساباتنا.

-تسجيل الخروج من حسابات السوشال ميديا في كل مرة لا نقوم باستخدامها ينصح به كاستراتيجية للحماية من الاختراق، فتسجيل الخروج يصعب من عملية الاختراق بشكل أكبر.

-حين نقوم بإرسال صور خاصة لنا، تظهر فيها ملامح لا نحب أن يراها أحد غير الشخص المرسلة إليه، فيفضل استخدام حسابات بها خصوصية أكبر. حيث من المعروف أن الشركات صاحبة هذه المواقع بإمكان أي أحد من العاملين فيها الدخول على بياناتنا الخاصة فمن الضروري أن نكون على وعي بها. لا ينصح كثيراً بإرسال صور خاصة عبر الفيسبوك وتويتر وتندر والواتساب والفايبر. فهذه المواقع تسمح بأخذ نسخة من المحادثات الخاصة screenshots  بحيث بإمكان المرسل إليه أن يحتفظ بالصورة، وحين يحدث أي تغيير لعلاقتنا بهم، بإمكانه أن يؤذينا أو يهددنا بها، أو حتى أن نشعر بعدم الأمان كونها معه. تتوفر في الانستقرام مؤخراً خاصية نشر رسائل على الخاص أكثر حماية للخصوصية، وتوفر بعد التطبيقات نظام محادثة سرية secret بحيث يمنع التقاط screenshots او يتم تحديد مدة زمنية معينة تمسح فيها الرسائل، مثل الفايبر والفيسبوك. (ملاحظة: لا شيء يمسح في الإنترنت، كلمة مسح لا تعني أن البيانات اختفت للأبد) بإمكاننا أيضاً لمزيد من الأمان أن لا نرسل صور لأجسادنا تظهر فيها وجوهنا أو علامات خاصة (مثلا حين نقوم بإرسال صور لصديقاتنا في حفل عرس بفستان مكشوف أو صور حميمية لشركائنا) مما يخفي هوياتنا في حال سرقت الصور.

-تعطيل خيار تحديد الموقع في كل التطبيقات Location فآخر شيء نتمناه أن يلاحقنا أحدهم في حياتنا اليومية في حال اخترق بيانات موقعنا الجغرافي!

توجد العديد من السياسات التي تحرمنا من الخصوصية والتحكم في بياناتنا على الإنترنت، الشركات تملك كمية هائلة من معلوماتنا الشخصية، فنحن نترك بصماتنا حيثما تحركنا على الإنترنت، يتم انتقاد هذه السياسات التكنولوجيا وتجنب العديد منها، ويصعب تغيير هذا الواقع بسهولة إلا أنه هناك حركات تنتقد وتقاوم هذه السياسات. ولكن حين نتعرض لمواقف يومية من العنف الإلكتروني ويسلط علينا بشكل خاص لكوننا مستخدمات للإنترنت فمن الضروري أن نضع قواعد لأنفسنا بما يضمن شعورنا بالأمان ويسمح لنا باستخدام الإنترنت بحرية أكبر، ومن الضروري أن نشعر بأمان حين نبدي آراءنا ونمثل ذواتنا على الإنترنت، فشعورنا بالانتهاك على الإنترنت غير مقبول، ويجب أن نحمي أنفسنا على الإنترنت كما نحمي أجسادنا في حياتنا اليومية. فمن حقنا استخدام الإنترنت بحرية وأمان. لا ينتهي كل شيء ببلوك، أو بلاغ أو اغلاق لحساباتنا. إنما بالحرص والحذر والوعي بأن التكنولوجيا بها عيوب قد تضرنا كما يوجد بها ميزات قد تنفعنا.

 

 

 

للمزيد من القراءة حول احتياطيات الأمان على الإنترنت  : دليل حماية خصوصياتك الشخصية على الانترنت

DIY ONLINE SECURITY GUIDE FOR EVERY WOMAN

كيف تجعلنا أزمة انقطاع المياه أكثر وعياً؟

شهدت مدينة طرابلس عدة انقطاعات لإمدادات مياه النهر الصناعي هذا العام، لفترات امتدت لأكثر من أسبوع مما أدى إلى أن تتوقف المياه عن الجريان بالعديد من المنازل التي تعتمد على شبكة امدادات النهر الصناعي كمصدر وحيد لاستعمالات المياه. يلجأ المواطنون أثناء هذه الفترات إلى عدة حلول قد تكون مكلفة اقتصادياً خاصة مع تزامنها مع أزمة نقص السيولة المالية بالمصارف، مما يجعل هذه الأيام من انقطاع المياه صعبة من ناحية اضطرارهم إلى تقليل استخدامهم للمياه إلى الحد الأدنى نتيجة عدم معرفتهم بموعد عودة تدفق المياه إلى الشبكة، ويؤثر على سلوكياتهم اليومية من استهلاك للشرب وللنظافة وإعداد الطعام. تنقطع المياه أيضاً عن الأماكن الخدمية مثل جامعة طرابلس مما يؤدي إلى إغلاق دورات المياه بالجامعة بمنطقة تحمل يومياً آلاف الطلبة.

يتسبب الوضع الأمني المتدهور وضعف الحماية الأمنية حول المنشآت المائية للنهر الصناعي والنزاعات السياسية والانقسام بالمجتمع إلى حدوث هذه الانقطاعات، مع مطالبة الجهات المشغلة لشبكة النهر بشكل متكرر للحكومة الليبية بالمسارعة لحماية هذه المنشآت من التهديدات التي تحدث لها مؤخراً. حيث يضطر العاملون إلى إيقاف الضخ تحت ضغط التهديد المسلح الذي يستهدف عن عمد قطع المياه عن العاصمة الليبية بسبب نزاعات بين المجموعات المسلحة مما يؤدي إلى خسائر اقتصادية، توتر أمني، آثار صحية وأيضاً حساسيات اجتماعية وسخط عام.

غير أنه يمكن القول بأنه لا توجد تجربة سيئة بالكامل، فبإمكان مرورنا بأزمات انقطاع المياه عن مدينة يزداد فيها الطلب على المياه مع زيادة التعداد السكاني نتيجة حركات النزوح الداخلية وزيادة الطلب على المياه مع ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية، بإمكانه أن يكون فرصة لنفكر فيها بالوضع المائي الحالي الحرج في بلادنا ومستقبل الأجيال القادمة. حيث تعتبر أزمات المياه من أكبر التحديات التي تواجه العالم اليوم وتوضع ضمن خطط التنمية المستدامة العالمية. فالعالم اليوم يمر بتقلبات مناخية وندرة في المياه مع ارتفاع معدلات النمو السكاني والاقتصادي، مما يزيد من الطلب على المياه بينما تعاني عدة دول من الشح المائي، ومن ضمنها ليبيا.

إذاً ما الذي يمكن أن تضيفه لنا فترات انقطاع المياه؟ بإمكان هذه الانقطاعات أن تجعلنا على وعي أكبر بأحد أهم حقوقنا الإنسانية اليوم والذي من الضروري أن يوضع على أولويات عملنا واهتماماتنا بحيث نطرحه للنقاش العام ونطالب السياسيين بتحديد خططه تجاهه، وذلك يحدث كالتالي:

-أن نعي تكلفة المياه التي لا تراعي الفئات الفقيرة أو نقص السيولة المالية حين نختار مصادر أخرى للشرب والاستعمال غير شبكة مياه النهر.

-أن نفكر في صلاحية المياه الموجودة بالسوق وحاجتنا إلى الوثوق بجودتها من خلال تراخيص رسمية واشراف على معايير السلامة.

-أن نعي بأن الاعتماد على الآبار المحلية كمصدر بديل أثناء فترات الانقطاع ليس بحل بإمكانه أن يحتمل فترات انقطاع طويلة وبحاجتنا إلى حلول لمصادر مياه أخرى غير شبكة النهر الصناعي.

-أن نناقش أهمية حماية المنشآت المائية من الاعتداءات المتكررة وانقطاعات الكهرباء حتى لا تتكرر الانقطاعات بالمستقبل ونعمل معاً من أجل إيصال مطالبنا إلى الجهات المسؤولة لحماية شبكة النهر الصناعي من هذه المشاكل كما تتم حماية المنشآت النفطية.

-انقطاع المياه يعطينا نظرة إلى مستقبل الندرة حين يزداد معدل الطلب على المياه مع زيادة السكان والاعتماد على مصدر مائي وحيد في مختلف استهلاكنا سواء منزلي أو زراعي أو صناعي، مما يجعلنا نشعر بأهمية أن نضع جهودنا لتحسين الوضع المائي من خلال توجيه خياراتنا وخبراتنا وتخصصاتنا العلمية وابتكاراتنا نحو الحلول للمشاكل الحالية والمستقبلية.

-أن نشعر بالتضامن مع المدن والقرى الأخرى سواء في بلادنا أو بقية أنحاء العالم التي تعاني من شح المياه وتنعدم بها إمدادات المياه ويضطر السكان إلى دفع مبالغ إضافية للحصول على مياه صالحة للاستعمال، مما يؤثر على الصحة والنظافة العامة، وأن نعي بأن ندرة المياه تحدي يواجهنا اليوم على المستوى المحلي والعالمي.

-أن نعي أهمية أن نفكر ونناقش ونبحث ونتحدث عن التحديات التي تواجه قطاع المياه في بلادنا والعالم أجمع بما يجعلنا على مستوى جيد من الوعي ويضعنا تحت مسؤولية احداث تغيير بكل ما نملك من أدوات متاحة.

-أن نحافظ على المياه النظيفة ونقلل من استهلاكنا لما يفرضه انقطاع المياه من تقليل لاستخدام المياه ووعي بقيمة كل قطرة ماء تستهلك سواء كانت قيمة مادية أو معنوية.

قد تبدو كلمة المستقبل كلمة بعيدة زمنياً للكثيرين غير أن العديد من التغيرات المرتبطة بالمياه قد تحدث خلال ربع قرن فقط، ونحن من نملك اليوم مصيرها خاصة كشباب يملكون من الطاقة والابداع ما يمكنه من إحداث تغييرات لصالح مستقبل أفضل. بإمكان لهذه التجارب السيئة اليوم أن تكون ملهمة لنا لصنع حلول للغد

هل الماء هو الكربون القادم؟

 مقالة مترجمة عن Is Water the Next Carbon?من موقع HBR

نحن جميعاً نتعامل مع وجود الماء كشيء بديهي. على الرغم من أن المياه عنصر حساس لحياة الإنسان، والنظام البيئي كعملية أساسية أو كمدخل إنتاجي بمجال الصناعة. هو مورد لا يفكر العديد منا بحماس حول إدارته. ومن بين كل قضايا البيئة، فهو الأقل إثارةً للجدل. ولكن حين لا يعد من وجود للمياه بالمنطقة، فأنت لا تحتاج للعلماء ليقوموا بإبلاغك.

من الضروري على الشركات تطوير استراتيجيات لإدارة هذا المورد الهام حينما أصبح اجهاد المياه أداة قياسية للعديد من مناطق العالم. كنقطة بداية، بعض الشركات أصبحت تتبنى “البصمة المائية” لتتحرى أين تصبح أعمالهم في سلسلة القيمة معرضة للضعف.

ألا يبدو هذا مألوفاً؟ ألم نمر بهذا المسار سابقاً مع الطاقة وانبعاثات الكربون؟ من السهل جداً وصف الماء بكونه “الكربون الجديد” والعديدون قد فعلوا، ولكنهما ليسا ذات الشيء. قبل أن نوضح أسباب الاختلاف، دعونا نلقي نظرة نحو بعض التقارير المنشورة مؤخراً التي توضح كيف أصبح عالم الاعمال يتبنى هذه التحديات.

مشروع “الكشف عن الكربون” The Carbon Disclosure Project (CDP) كان ناجحاً جداً في فرض تقييم البصمة الكربونية على الشركات، تطوير استراتيجيات للكربون، ووضع أهداف للتقليل منه، والحد من انبعاثاته. والآن قام المشروع بتحويل انتباهه نحو المياه أيضاً ومؤخراً أصدر نتائج أول استبياناته حول الكشف عن المياه Water Disclosure (WD).

هنا نسلط الضوء على بعض جوانب تقرير 2010 CDP WD الذي شمل 302 شركة من كبرى شركات العالم. ومن بين الاستجابات كان التالي..

-50% من الشركات تتوقع مخاطر قصيرة المدى متعلقة بالمياه (من سنة إلى خمسة سنوات) مع 39% مما يعانون بعض الآثار حالياً مثل تعطيل العمليات بسبب الفيضانات او الجفاف، تدني جودة المياه، وارتفاع أسعار المياه.

-67% منهم قاموا بالبلاغ عن مشاكل متعلقة بالمياه على مستوى مجلس الإدارة أو اللجنة التنفيذية.

-89% منهم طوروا سياسات مائية محددة وخطط واستراتيجيات.

-60% منها وضعوا أهداف أداء مرتبطة بالمياه.

CDP WD ليس المشروع الوحيد، فقد صدرت العديد من التقارير حول مخاطر المياه وفرصها.

– Murky Waters: تقارير الشركات حول مخاطر المياه، (Ceres)

– The Ripple Effect: مخاطر المياه في سوق سندات البلديات، (Ceres)

– Water Futures (SAB Miller)

– Charting our Water Future، (2030 Water Resources Group)

الخلاصة المرجعية لكل هذه التقارير بصفة عامة هي كالتالي:

-الطلب على المياه يزداد، جودة المياه تقل

-التغير المناخي سيؤثر على وفرة المياه

-السعر لا يعكس التكلفة الحقيقية للماء (مما يسبب في تقليص هائل في استثمارات البنية التحتية)

-القطاع العام والخاص يحتاج إلى تطوير طرق جديدة لإدارة المياه.

عودةً إلى المياه والكربون وبفهم أن حركة الأعمال بحاجة إلى الأخذ في الاعتبار المخاطر والفرص الملازمة لإدارة ضغوط الموارد الطبيعية، فإنها قد قامت بعرض تحديات متشابهة. ولكننا نرى اختلافات إضافية أساسية بين الاثنين:

-الكربون قابل للتبديل ولكن المياه ليست كذلك: والقضايا البيئية المتعلقة بانبعاثات الكربون بالأساس هي ذاتها في كل مكان على الكوكب.

-على النقيض من ذلك، تعتبر الجغرافيا والزمن جوانب حرجة في وفرة وإدارة المياه. كل مشاكل المياه محلية وأي استراتيجية مائية عالمية بالإمكان تطبيقها بالفعل في كل مستجمع مائي.

-للمياه بعد اجتماعي وثقافي قوي. العديد من البشر يؤمنون في “حق الإنسان في الماء” الامر الذي يجعل تسعير هذا المورد أصعب من وضع تسعير للكربون.

-المياه هي بشكل أساسي مورد متجدد، نحن فقط بحاجة لتسعير المياه بناءً على قيمتها وأن نتأكد باننا لا نقوم بإداراتها باعتبارها سلعة معدة للرمي بعد الاستعمال.

-أخيرا، ولنكون واضحين وبشكل بديهي، فإن المياه مرغوبة، مفيدة وضرورية.

بالنظر لهذه الاختلافات الكبيرة، سيكون من المحبذ أن نقول بأن الشركات الكبيرة بحاجة إلى تطوير استراتيجية مستقلة للمياه. ولكن عوضاً عن ذلك نحن نوصي باستراتيجية مائية مدمجة مع استراتيجيات الطاقة والكربون وموارد أخرى، كل ذلك أثناء التنقل بين الاختلافات التي تحكمهم.

إن المستثمرين من خلف CDP يفهمون حتمية عالم الأعمال للإدارة الجيدة للمياه، كما تعمل بعض الشركات بأكبر قد ممكن لكسب حلول للمشكلة.

إلى أي مدى منظمتك واعية بمخاطرها وفرصها؟ الآن هو أفضل وقت للإجابة عن هذا السؤال. لم يفت الوقت بعد.