*لن يثوروا حتى يعوا..و لن يعوا حتى يثوروا

العنوان من رواية 1984 لجورج أورويل*

إنتشر بالأيام الماضية في الأوساط الإعلامية الإجتماعية الليبية مقطع فيديو لعملية إغتصاب لإمرأة قام بها كما يشاع أفراد من ميلشيا مسلحة بإحدى المدن الليبية أثارت العديد من التحفظات و الهلع بين الناس و تنوع في المواقف بين متعاطف مع الضحية و لائم لها كعادة ردود الفعل الإجتماعية في الشرق الأوسط تجاه جرائم الإغتصاب أنتجت بمجموعها نوبة غضب جديدة بمجتمع الفيسبوك و غيره تمتليء بملامح الشعور بالعجز و الندم و تأنيب الذات, حيث لاقى أحد المنشورات شعبية كبيرة و هو يحتوى على تعبير “أنا منذ اليوم أصنف نفسي ككلب من الكلاب” كنتيجة لشعوره بعدم قدرته على حماية النساء و بالتالي إنتهاء تصنيفه كرجل, حسب المفهوم الإجتماعي للكلمة في ليبيا. تراكمت نوبة الغضب و تأنيب النفس الجماعية لتصل لدعوات بالخروج في الميدان و التخطيط لمظاهرات سلمية بمدينة طرابلس على الرغم من خطورة التواجد في أي مظهر علني معارض لجرائم المليشيات المسلحة التي تسكن طرابلس و تشتهر بأعمالها المهددة للأمن من خطف قسري و تعذيب بالسجون و ترويع السكان و إمتلاك السلاح بشكل غير قانوني و السطو على البيوت و السرقات و العنف اللفظي و إغلاق للطرق الحيوية و تدمير للمتلكات العامة و الإغتصاب و التهديد و تكرار للإشتباكات المسلحة داخل شوارع العاصمة تسقِط العديد من القتلى و الجرحى و ضحايا السرقات في كل مرة. كل هذه الجرائم الغير موثقة و بدون محاسبة من أحد تجعل من الخطر تشجيع الناس على الخروج و التعبير عن غضبهم بمظاهرات سلمية قد تؤدي لمزيد من ضحايا سطوة و عنف ميليشيات طرابلس الخارجة عن القانون و المتحكمة بحركة الحياة بالمدينة و التي تتلقى الدعم السياسي من أطراف مختلفة منذ خمسة سنوات.

هذا الشعور بالعجز و المشاركة بالجريمة الذي عمّ الجميع نتيجة رؤيتهم للمحتوى العنيف بالفيديو قد يملك تأثير عكسي على نفسيات و عقول الكثير من المشاهدين أو حتى من تابعوا تفاصيل الخبر من دون مشاهدة ربما يؤدي لزيادة تراكم السخط يقود لردود فعل غير عقلانية و غير محسوبة و تولد المزيد من مظاهر العنف بين العلاقات الإجتماعية و تقلل من مشاعر التسامح و القبول التي نبحث عنها لتحافظ على تماسك المجتمع الذي يعيش واقع نزاعات و حرب. غير أن مثل هذه النوبات من الإستنكار و الغضب التي تنتج من أخبار مثيرة لتوليد ردود الفعل الفورية المختلفة داخل السوشال ميديا و التي ترتبط بشكل خاص بالقضايا التي يتكتم المجتمع عن الحديث عنها في الظروف العادية و يتم تجاهل وجودها لدواعي تحفظات دينية و كنتاج لعقلية متشبتة بتقاليد و أعراف ليبية قديمة بإمكانها أن تكون فرصة لتشكف لنا الكثير من المفاهيم الخاطئة المنتشرة بين الناس حيث تمنح هذه الصدمات الأخلاقية الشجاعة للناس للتعبير عن أفكارهم المسكوت عنها و تفتح مجال للنقاش و إبداء آراء صادقة و حقيقية تنبيء بمستوى الوعي بالمجتمع و خاصة بين الشباب و هم الأقرب لمواقع السوشال ميديا و الأكثر حماس في التعبير عن أفكارهم و الحديث عن ذواتهم بمكان علني و عام يحمل خاصية الإنتشار السريع لكل رأي مثير للنقاشات. بالتالي يكون هناك بالإمكان إيجاد بديل لحالة السخط و الألم التي تحيط بنا في كل مرة تحدث بها نوبة غضب إجتماعية بمراقبة أفكارنا التي نتبادلها فيما بيننا لتكون فرصة لإعادة ترتيبها و توضيح ما يلتبس منها لتتحول إلى حملة توعية و تثقيف إجتماعي ذاتي يوجه آلامنا إلى مرحلة أقل عاطفية و أقرب للعقلانية و العمل الواقعي السلمي الذي نحتاجه لإعادة ترتيب الفوضى الأخلاقية في داخل نوبة الغضب ذاتها حيث يحدث أكبر لفت إنتباه للقضايا الإجتماعية المعقدة و التي يصعب لفت الإنتباه إليها في الظروف العادية لحركة مجتمع السوشال ميديا.

أجد نفسي غالباً أملك إهتمام خاص بوضع المرأة و وعيها بالبلاد و العنف المسلط عليها بناءً على النوع الإجتماعي من حيث أنه أحد القضايا و الحقوق الإجتماعية القليلة التي يوجد قبول و توجه عام في الحديث عنها بالمجتمع الليبي منذ خمس سنوات و لوجود حركة نسوية صغيرة تحاول أن تحقق بعض الحقوق الإقتصادية للمرأة العاملة بالمجتمع, و لكن فقط لكونه جزء من حركة الرأي العام و محاولات النضج الإجتماعية التي تتحرك ببطء و التي تمتليء بمشاعر من الظلم و الإضطهاد و ليس لأن وضع المرأة قضية خاصة و منفصلة بحد ذاتها.

بطبيعة الحال إنتشرت تعليقات و نقاشات حول هوية السيدة التي تعرضت للإغتصاب, و حاول بعض الأشخاص الإثبات من خلال نشر معلومات يقولون بأنها من مصادرهم الخاصة أو من خلال تحليل المحتوى الصوتي للفيديو بأن للسيدة علاقة بأصحاب التسجيل و أنها ليست مخطوفة داخل معسكر المليشيا و قد حضرت للمعسكر بإرادتها لتؤدي عملها ك”بغي” بطلب من رجال الميلشيا. رد الفعل لهذه التحليلات جاءت بشكل ملحوظ من نساء حيث عبرن عن إنزعاجهن من هذه الإتهامات من حيث أنها “قذف محصنات” لا يجب الخوض فيه, آخرون أضافوا بأنه لا يوجد دليل على أنها بغي و حاولوا إثبات كونها قد خطفت من بيتها بذات طريقة التحليل للصوت أو من مصادرهم الخاصة, كانت التعليقات تبدو كأنها حريصة على نبذ و ردع كل تعليق يشير إلى أن السيدة داخل الفيديو هي بغي حضرت للمقر بإرادتها. غير أنه مع غياب التحقيقات الأمنية و غياب سلطة القانون يصبح من الصعب التأكد من تفاصيل الجريمة و إثبات أي شيء فقط من خلال أقاويل الناس و فيديو مموه الصورة للحفاظ على الخصوصية. لذلك فإن كلا الإحتمالين وارد, بالتالي رأى البعض أن هذا الغموض في معرفة حقيقة ما حدث يدعم أن كلا الإحتمالين صحيح, و انقسموا بين من يحاول تغطية وجود إحتمال كونها بغي, و بين من يرى أن “أي شيء بإمكانه أن يحدث, فقد حدث” و من المستغرب أن بعض هؤلاء كانوا من النساء, حيث كانت إشارتهم لهذه الإحتمالية تدل على أنهم يتهمون السيدة بكونها مشاركة في الجريمة أو أنها مستحقة للإغتصاب طالما إتخذت البغاء وسيلة لها لكسب المال و تجنبوا بالمجمل أن يعبروا عن أي تعاطف مع إحتمال كونها بغي. هذا ما يجعلنا نعيد التفكير في مفهوم مجتمعنا لجريمة الإغتصاب و معنى الفعل في حد ذاته, و الأسوأ عندما نجد نساء لديهن إلتباس في مفاهيم قد يكن الأقرب إلى تفهمها من حيث عيشهن في مجتمع يضطهد النساء و يستحقر أجسادهن بشكل علني بجميع الأساليب الممكنة, حيث أن أغلب نساء المجتمع سيتعرضن لأحد أنواع العنف على أساس النوع على الأقل مرة واحدة في حياتهن و بالتالي لديهن معرفة عميقة بكمية الضيق و الألم النفسي الذي تتعرض له أي إمرأة أخرى نتيجة لأي نوع من الإعتداء أو العنف الجنسي. هذا ما يجعلنا نتساءل هل تغيب عن النساء بالمجتمع و حتى من بالإمكان إعتبارهن “ناشطات” و “واعيات” واحدة من أهم المفاهيم التي يجب على المرأة في مجتمعات دول العالمي النامي أن تكون واعية بها؟ هذا ما ينبه إلى أهمية الكتابة و الحديث و التوعية بثقافة النساء الجنسية و إعادة توضيح تعريفات أساسية بقضايا النساء, و من أهمها الإغتصاب من الألف إلى الياء.

ما الذي تعنيه كلمة “إغتصاب” ؟

عند قراءة القانون الليبي للعقوبات و مصطلحاته المستخدمة في وصف هذه الجريمة نجد أنه لا زال يلتزم الإحتشام في وصف التعريف و يلجأ لمصطلحات قديمة أو فضفاضة. يستخدم القانون عبارتي “المواقعة” و “هتك العرض” لوصف كل من الإغتصاب و ممارسة الجنس برضا الطرفين, و ذلك لأن القانون الليبي يختلف عن قوانين الدول التي ساهمت في تحديد مفهوم الإغتصاب و الإعتداء الجنسي التي لا ترى بأن ممارسة الجنس خارج الزواج بين شخصين عاقلين برضا الطرفين كجريمة, لذلك فإن تعبير “هتك العرض” و “المواقعة” يشير إلى قبول المرأة لممارسة الجنس و عدم قبولها في ذات الوقت. غير أننا لتوضيح هذا المفهوم بشكل أقل تعقيد من الأفضل لنا القراءة في تعريفات منظمات عالمية تدعم حقوق الإنسان و ترجمتها حسب تعريفها الأصلي لا كما يجب علينا مراعاته في مجتمع محافظ, طالما أن هذا المفهوم لا يزال غير واضح في الثقافة العامة للمجتمع.

تعريف منظمة الصحة العالمية للإغتصاب يقع ضمن تعريفات “الإعتداء الجنسي” الذي ينص : ” هو أي فعل جنسي أو محاولة لفعل جنسي, أو تعليقات أو تمهيدات جنسية غير مرغوبة, أو محاولة مرور أو المباشرة, ضد الرغبة الجنسية لشخص ما بإستخدام الإكراه من طرف ما بغض النظر عن علاقتهم بالضحية في أي ظروف تشمل و لا تحدد العمل و المنزل.” و تعرف الإغتصاب ” الإدخال بالقوة الجسدية أو بالإكراه حتى و لو بشكل طفيف للفرج أو الشرج بإستخدام القضيب أو أجزاء أخرى من الجسم أو بشيء ما.” و تضيف ” إغتصاب شخص من قِبل إثنين أو أكثر من الأشخاص يسمى بالإغتصاب الجماعي”. و تضع ضمن الإعتداءات الجنسية أي فعل آخر جنسي آخر بإستخدام الأعضاء الجنسية مثل الإتصال بالإكراه بين الفم و الأعضاء الجنسية. بينما يصنف مركز السيطرة على الأمراض و الوقاية منها CDC  الإغتصاب ضمن تعريفاته “للعنف الجنسي”. نجد هذه التعريفات تهم المنظمات العالمية للصحة و الأمراض كون العديد من الإصابات و الأمراض تنتقل من خلال عمليات الإغتصاب و لتأثيرها العضوي و النفسي الشديد على الضحية.

بينما تعرف وزارة العدل الليبية جناية “المواقعة” أو “الزنا” ضمن التعريف العادي للجنس بين شخصين عاقلين دون الإشارة لعملية الإكراه, و يتم تضمين فعل “هتك العرض” ضمن جناية المواقعة من باب أنها ضمن “نشاط إجرامي واحد”. يتم التفريق في قانون العقوبات بين الإغتصاب و ممارسة الجنس خارج الزواج بتحديد الفعل من حيث المواقعة بالقوة و إكراه الطرف الآخر و الذي تكون عقوبته بالسجن مدة لا تزيد عن عشرة سنوات و من حيث المواقعة برضا الطرف الآخر و الذي تكون عقوبته بالسجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات.

من خلال هذه التعريفات بالإمكان الوصول إلى نقاط مهمة, و هي أن عملية الإغتصاب يميزها فعل أساسي و هو “الإكراه” أي أن الضحية رافضة للإعتداء بشكل واضح و علني بالنسبة للجاني و تم إجبارها بإستخدام التهديد أو التخويف أو العنف الجسدي أو الإبتزاز أو من خلال السكر أو إفقادها لعقلها أو عند النوم أو أي موقف تكون فيه الضحية في وضع أضعف من الجاني بحيث تصبح غير قادرة على منع الفعل ذاته, لذلك فإن المنظمات العالمية حريصة على عدم تحديد الهوية الجنسية أو علاقة الضحية بالجاني و تسمح بأن يشمل تعريف ضحايا الإغتصاب كل من النساء و الاطفال و الرجال بإختلاف الأعمار و الأقارب و المثليين و ذوي الإحتياجات الخاصة و حتى الأزواج و العشاق و أيضاً النساء العاملات في الجنس سواء كن تحت مظلة قانونية أو ضمن شبكة دعارة مجرمة قانونياً. توجد دول أوروبية حريصة على حساسية مفهوم الإغتصاب و تسمح بحقوق قانونية واسعة للضحايا في رفع الدعاوي القضائية ضد الجاني, بإمكان المرأة في إحدى الدول أن تشكو بأنها تعرضت للإغتصاب حتى لو قامت بدعوة رجل غريب بإرادتها لداخل منزلها, لذلك تنتشر بين ثقافتهم عبارة “إستأذن منها أولاً” حرصاً على عدم حدوث إلتباس و سوء فهم يؤدي إلى دخولها في تجربة سيئة لم تطلبها. تضمن العديد من الدول أيضاً حماية للنساء المتزوجات من الإغتصاب داخل نطاق الزواج إذا رفضت الزوجة و أجبرها زوجها بالإكراه فيتم تصنيفه كإغتصاب و عنف أسري, و لا يتم تصنيفه ك”حق الزوجية” كما يحدث في دول الشرق الأوسط و لا تلام الزوجة لرفضها لرغبات زوجها طالما لديها أسبابها الخاصة في عدم ممارسة الجنس في أي وقت يشاء الطرف الآخر و دون أن يعني ذلك رغبتها في الإنفصال.

القانون الليبي و عقوبة المغتصب:

ليبيا هي إحدى البلدان العربية التي تضع عقوبة على الجاني في جريمة الإغتصاب و مدة هذه العقوبة لا تزيد عن عشرة سنوات حسب المادة 408 من القانون الليبي للعقوبات, غير أنها أيضا إحدى الدول العربية التي لم تقم بعد بإلغاء قانون إعفاء الجاني من العقوبة و ذلك عن طريق زواجه من الضحية و لا يحق له طلاقها إلا بعد مرور ثلاثة سنوات حسب المادة 424 من القانون. تقوم بعض المؤسسات العربية بالضغط على حكوماتها لتغيير هذه القوانين الظالمة و التي تجني على الضحية و التي تستند إلى العرف الإجتماعي الغير ناضج لا إلى الحقائق و التأثيرات السلبية الضخمة التي تنتج من تزويج الضحية بالمغتصب. من أول هذه الدول هي مصر عام حيث ألغت مادة الإعفاء عام 1999م و حتى لبنان هذا العام من خلال حملة ضخمة على مستوى المجتمع المدني أدت لإلغاء القرار رسمياً في ديسمبر الجاري. بينما بالمجتمع الليبي لا يزال هذا القانون مغيب عن الكثيرين و يتم اللجوء إليه كحلول إجتماعية للجريمة خارج المحاكم حتى مع تعطل القانون الحالي بسبب أوضاع الحرب.

بالعودة إلى شح التعاطف مع الإحتمالية في كون السيدة بالفيديو بغي أي إعتبار أن أي إمرأة تملك إرادة التصرف في نفسها في مجال العلاقات الجنسية و طالما كونها خارجة عن القانون فهي مستحقة لأن يتم الإعتداء عليها كونها هي من أجنت على نفسها بالخوض في هذا المجال هو نوع من عدم القدرة على التسامح و التفهم و القبول, إذ جميعنا نعلم أن الظروف الإقتصادية السيئة للبلاد تجعل بعض النساء أكثر قبول بتقديم الخدمات الجنسية مقابل المال في سبيل تحسين أوضاع حياتهن المتردية من تشرد و جوع و حتى هروباً من إعتداءات جنسية أخرى طالتهن من الأقارب جعلتهن يضطررن لتحمل أوضاع يرونها أقل سوءاً طالما توفر لهن المال مع غياب فرص العمل و فرص التعليم. الأمر الآخر الذي لا نريد أن نلفت إنتباهنا عنه هو وجود عقلية بيننا تعتقد بأنه من الغريب أن تشتكي البغي من عملية الإغتصاب, طالما أنها تعمل في مجال ممارسة الجنس الغير قانوني فيتوقع أنها تحمل قبول لأي عملية جنسية تمارس عليها, بينما حتى البغايا بالإمكان أن يتم إكراههن على ممارسة سلوكيات جنسية يرفضنها و عند ذلك يتعرضن للتعنيف أو التهديد بسحب المال أو الإبتزاز و غيرها من الأمور التي لا نشعر بوجودها طالما لم يتم توثيقها بالفيديو. و لم يتحدث أحد بغض النظر عن هوية الضحية سواء كانت مخطوفة او بغي-و كلا الحالتين تحمل تحمل من البشاعة و الإجرام ما يكفي- عن كون ما يبدو انه قد حدث هو إغتصاب جماعي لإمرأة, و هو من أنواع الإعتداءات الجنسية التي تنتشر في أوقات الحروب و النزاعات و إحدى الجرائم الكبرى الغير موثقة لأفراد المليشيات التي تحكم بلادنا.  يجب علينا أن لا نندمج في نوبات الغضب و النقاشات و ننسى أن هذه الجرائم التي تحدث يومياً في زوايا مجتمعنا هي جرائم ترتكب ضد الإنسان مهما كانت هويته و جنسه و دينه و موقفه السياسي فلا زال يحمل ذات مستشعرات الألم و ذات التكوين النفسي الهش الذي نحمله و أي عنف عليه من أي جهة هو عنف ضد الإنسان ما دمنا نعيش في وقت تغيب فيه الحقائق و النظام و تتكاثر فيه مشاعر الكراهية و الرغبات العنيفة لتولد المزيد من التفرقة في النسيج الإجتماعي فمن الأفضل لنا أن نحاول إستبدال كل نوبة غضب و كآبة و ألم, إلى ردود فعل أعمق و أكثر تفهم للإنسان الذي يعيش في زمن الحرب و نحولها لفرصة جديدة للتعلم و تهذيب الذات و النظر إلى إلى الأمور بطرق أكثر عقلانية لتقودنا إلى حلول قد نستطيع العمل عليها. لذلك أتمنى من كل فتاة واعية مهتمة بوضع النساء في المجتمع الليبي  أن لا تنسى بأن مفاهيم أساسية قد تغيب عليها ضمن الفوضى الأخلاقية التي تسود المجتمع و أن لا تدع الشعور بالعجز يقودها إلى الوراء بينما تستطيع أن تخلق منه فرص جديدة من تطوير الذات و إعادة تقييم لمدى وعيها و ثقافتها و قدرتها على الإستمرار في التعامل مع تحديات اليوم بأكبر قدر من الحكمة و العقلانية لأنه في المجتمعات التي تقل فيها نسبة الوعي للمرأة يكون علينا العمل بشكل أكثر كثافة على توسيع مداركنا و إعادة التفكير في ثوابتنا و معلوماتنا و بالتالي تصبح مهمة توعية الاخريات من
النساء واجباً حساساً و ذو تأثير ضخم و يحتاج للكثير من الوقت و العمل على المستوى الداخلي-الذهني اولاً.

تم نشر التدوينة على مدونة موقع “مشروع سيلفيوم”*

شكر و تقدير للاعتيادية و غير العادية: الخرسانة

 

 

tumblr_o20q0oSTGW1r84j0io1_1280

الخرسانة في كل مكان من حولنا. هذه ليست بصدفة, على مر القرون استخدمنا الخرسانة لبناء حضارتنا. نحن نستخدم الخرسانة لأنها قوية و متينة و ضخمة و هي الميزات الضرورية إن كنا نتوقع أن نبني اليوم ما يصمد لإستخدامات أجيال المستقبل. بهذه الطريقة, كل جيل بإمكانه أن يبني فوق ما قبله بدل أن يعيد بناء عمل الأجيال السابقة, و هذا ما تعنيه الحضارة.

اليوم البشر يستخدمون الخرسانة أكثر من أي مادة أخرى عدا الماء, و هذا التفوق سمح لنا بأن نعتبرها من المسلمات. فقط تخيل ما الذي يمكنك رؤيته عندما تكون في أي مدينة بالولايات المتحدة الأمريكية, مما تتألف البنايات من حولك؟ مما يصنع السطح الذي تقف عليه؟ الطرق المشغولة التي تأخذ الناس من مكان إلى آخر؟ مما تتكون؟

لقرون عدة كانت هي المادة الأساسية التي أستخدمت لبناء عالمنا. و بسبب هذا الدور الرئيسي فإن الناس من جميع أنحاء العالم لا زال بإمكانهم تلقي جمال البانيثون في روما. فكر في كل أطلال الحضارات السابقة التي لا زالت تسكن في عالمنا. الخرسانة جعلتنا نتواصل مع هؤلاء الذين مشوا علي الأرض من قديم الزمان. إنها تسمح لهم بأن تحيا ذكراهم بيننا, و تسمح لنا بمشاركتهم هذه الأزمنة العظيمة.

جمعية الاسمنت البورتلندي هي مؤسسة معروفة على نطاق واسع في تقنية و اقتصاد و تطبيقات الاسمنت و الخرسانة منذ عام 1916. المؤسسة تعتبر عامها المئوي فرصة للاحتفال لا فقط بالمؤسسة ذاتها و لكن أيضا للتقدم الهائل الذي حققته الصناعة و الدور الذي ستستمر فيه الخرسانة في بناء عالم مرن و و مستديم.

“نريد للناس أن يقدّروا الدور المحوري الذي لعبته الخرسانة في بناء مجتمعاتنا” يقول جيمس جي توسكاس الرئيس و المدير التنفيذي في جمعية الاسمنت البورتلندي “ما يقارب مائة عام مضى أشار رئيس جمعية الاسمنت البورتلندي أنه كما في بقية نشاطات الانسان فإن البناء بالاسمنت يضيف للثروة المستمرة بالمجتمع. اليوم بينما ننظر لنظام النقل واسع النطاق و المدن الرائعة التي بنيناها منذ ذاك الحين و التي تستمر في خدمتنا اليوم و حتى المستقبل, فإننا نرى حقيقة هذه الكلمات.”

بينما يقدم البناء بالخرسانة فوائد متنوعة, فإن بعض من ميزاته لا زالت خارج الحسبان.

“على سبيل المثال, الناس يشعرون بأمان أكثر داخل البنايات الخرسانية” يشير توسكاس. ” منازل الخرسانة المرنة تقاوم الحرائق و بإمكانها تحمّل العواصف. هي أيضا صلبة, صامتة, و قليلة الحاجة الصيانة. الناس لديهم حدس بأن الطرق الخرسانية و الجسور التي تربط مجتمعاتنا متينة و فعالة و تعيش طويلاً.”

و لكن ما الذي ستعنيه لنا الخرسانة بعد مائة عام من الآن؟ كما هو واضح فإن الخرسانة في الحقيقة مادة معقدة و ذات تقنية عالية.

“الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا طوروا بشكل كبير معرفتنا بهذه المادة, من مقياس النانو و حتى التطبيقات الضخمة” يقول توسكاس. “الباحثون أصبحوا قادرين الآن على تمثيل و قياس خواص الخرسانة التي لم نأخذها في الحسبان سابقاً مثل كفاءة الطاقة للطرق الخرسانية و المباني. قاموا ايضا بمد عمل الأساسات بتحسينات أفضل لتطوير عمل و دوام المنشآت الخرسانية.”

“طالما هناك حضارة, سيكون هناك احتياج للخرسانة.” يوجز توسكاس.

—————————–

 المصدر من مقال على صحيفة The Huffington Post

حتى إذا ما

عليك أن تعلم بطريقة أو بأخرى قبل حتى أن يقع الأمر أنك الآن لا تفعل شيئاً سوى التصفيق لحرب أخرى داخل العاصمة, أيا كان ما يسمونها تحرير أو فتح أو غزو أو إحتلال فلازالت رغم كل شيء حرباً لعينة, بمعنى حرب حقيقية أتفهم ما تعنيه حرب؟ الأسلحة التي ستتجول في شوارع المدينة و أصوات الرصاص و رائحة الحريق و البنايات المحطمة على أنواعها و التربة المحروقة و الهواء المتلوث بالأدخنة و إنقطاع المياه و الكهرباء و نقص الأكل, كل هذا ..أتعيه؟ و لا يقف الأمر هنا فقط, ما يعنيه أمر الحرب قبل كل شيء هو : إنسان ميت. أتفهم هذا؟ رجل أو إمرأة أو طفل يحترق أو يقطع و تنتهي حياته ببساطة ليترك وراءه عائلة تعيسة و فجوة بيننا, أعني أنه يموت و يدفن و يرمى تحت التراب و تنهشه الديدان و لا يستطيع أحد إعادته, سيختفي تماما, و غالبا لن يكون مستحقا حتى لأن يموت, أيا كان هو, أتدري أيضا ماذا؟ لا يوجد إنسان يستحق أن يتم قتله, من نكون أولاً حتى نفكر بهذا الأمر الموحش؟ أن نرمي بإنسان تحت التراب لأنه لا يعجبنا! لم تبدأ حرب طرابلس بعد و لكن طالما أن الجميع -حتى أولئك اللطفاء و الأذكياء و محبوا السماء الصافية و الأرانب البيضاء و صوت الموسيقى- لا يخجلون من التعبير الظاهر و المبطن بسعادتهم بالحرب القادمة, أي ماذا؟ كل القبول القذر و الترحيب بأن يموت رجل-أيا كان هو- و أن ترمل إمرأة و أن يسقط بيت فوق طفل سعيد و أن تتشتت عائلة بالكامل.
أعني أنني أعلم بأن للإنسان رغباته اللإنسانية و أنه يمتليء بالشر أكثر من إمتلائه بالخير و لكنني لا أفهم وقاحة أن يسعد بالحرب و أن يرى في الأسلحة و الأرتال شيئا ما يبهج نفسه و لا يتوقف الأمر بداخله فقط إنما يعرضه أمامنا جميعا : أنا سعيد بأن الحرب قادمة إلى طرابلس أنا سعيد بالتدمير و الجثث و أصوات الصواريخ تثير طربي و أحب أن يتم قتل العديد من هؤلاء و أن تسال دماءهم في الطرقات و أن يرتعب الأطفال و يرتفع ضغط الرجال المسنين, أنا سعيد بالموت القادم إلى طرابلس. و ذلك فقط بسبب هذا الأمل الخسيس بأن دولة رائعة ستبنى بعد أن نرمي ببعض البشر تحت التراب, و لكن أتعلم ماذا؟ لن تكون هناك أي دولة مشرّفة طالما نحن لا زلنا نهلل بالحروب كشعوب بدائية لا ترى سوى في النار و الدم طهارة و عزة و مجداً. لكم أتمنى أن تصمتوا جميعا عن عرض رغباتكم العنيفة و أنانيتكم و أن تخفوها داخل صدوركم خجلاً من وقاحتها و سوءها, غير أنه يكون عليّ أنا أن أصمت و أدفن رغبتي في السلام و أنه كل ما أحب أن يحدث لنا حتى إن لم تكن هناك أي حلول أخرى غير الخوض في حرب أهلية تقتلنا كل يوم دون أن تموت يوماً لأنني أخجل منكم و أخجل من وقاحة أن أقول أمامكم أن أنني لا زلت أحب أن أعيش في مكان يعمه السلام و لست مضطرة لأن أقف مع الحرب أيا كان نوعها حتى إن أوهمتني بأنها ستوصلنا إلى بر الأمان, لأنني أكرهها و أكره كل ما فيها و كل من يفرح بها وأكره أن أكون معكم هنا طيلة الأيام القادمة إن وقعت حرب حقيقية لأنها لا تعني لي شيئاً و لا تعطيني أملاً في شيء سوى الموت.

عام من التدوين

صدفة كان اسمها حين وُلدت و بالصدفة دخلت لاجد انها ذكرى ميلادها الأولى! هي التي كان يمكن لها أن لا تكون. لا أتذكر لما خطر ببالي أن أصنع لنفسي مدونة, لا أدري ما الذي أجبرني في آخر أيام عام 2012 أن آتي إلى هنا و أقوم بإنشاءها حتى يتم اطلاقها بشكل رسمي عام 2013. أعتقد لغرض الكتابة, أو ربما للتورط رسمياً بالكتابة. إذا هي مدونة أنشئت من حب الكتابة الذي أظنه انتهى بنهاية هذا العام كالعديد من الأشياء التي ولدت بحياتي مطلع العام و كتب لها أن تموت.

ولدت المدونة من حالة عامة من الضياع التام, و احتفظت باسمها “صدفة” الذي يحمل ارتباكه الخاص لمدة طويلة, و طيلة هذه المدة التصقت خواطري الوجودية بالمدونة أيضا كما التصقت بكل شيء غيره و افسدته, و لكن هذه الطفلة الصغيرة قد صمدت! كانت تداهمني على طول الطريق فكرة لا جدوى الكتابة و ضعف القراء الحقيقيين و ما الذي أريد قوله المتماشية مع “ما الذي اريد فعله” التي سكنتني طيلة العام, في كل مرة أدخل فلا اجد من داع لقول شيء حتى أنني أتسآل الآن كيف اتت كل هذه التدوينات!كم مرة فكرت في قتلها و إنهاءها ملقية بثقلي الخاص عليها كما لو انها أيضا مساهمة في سوء ما يحدث, حتى انني في مرة من المرات حاولت بسبق اصرار و ترصد أن أقوم باغلاقها الى الأبد, لم تعن لي شيئاً, دخلت على ال google كتبت جملة انتحارية و وجدت الجواب المشجع, و لكن كان في طيه رحمة إلهية ما, فبجانب خطوات اغلاق المدونة وجدت خطوات لاخفاء المدونة مع الابقاء على كامل محتوياتها و هنا أشفقت عليها, ما ذنبها؟ فقمت باخفاءها ارضاء لنفسي طيلة فترة الامتحانات  على امل العودة لتقرير مصيرها. غير أن شيء ما حدث أو أحد ما قال فلم يعد الامر كما كان في البداية و امتلات بروح جديدة توافقت مع حملة التشجيع الأخيرة من مجموعة (أنا ادون) إذ هنا شعرت انني ارتبطت أكثر بعالم التدوين, فحتى إن أجلت أمر الكتابة رغبة في الحصول على المزيد من المعرفة كقاعدة لما اكتبه فالأمر أبداً لا يمنع أن استمر في التدوين  حتى لو كان عاماً سيئاً بامتياز فإن كان لهذه المدونة قدرة عجبية على الصمود في وجه صانعها ذاته فهي تستحق ان تكون مكاني المفضل للكتابة.
انتظروا المزيد للعام المقبل 🙂

شيء ما حول فرجينيا

virginia-woolf-las_2971827b

لا أنوي الكتابة عنها حتى أقرأ رواية السيدة دالاوي و لكن حدث و أن وجدت نفسي قد خططت هذه الفقرة وسط الجامعة أبت إلا أن تخرج مني..

إنها تملك هذا النوع من الوصف الأدبي الذي يقبض على شيء حقيقي بك , تجد أن مائة عام قفزت لتستقر أمام عينيك و تبدو و كأنها بالأمس, لا بل الآن ..هذه اللحظة, تجد أن ما تشعر به الآنسة نينج مثلا لم يمر بك سوى من ساعة مضت, إنه طازج و جديد و دقيق كما لو أنه مشهد من فيلم سينمائي من داخل رأس الشخصية لا من خارجها. تصبح أنت الآنسة نينج, تعرفها و تعرف نفسك, تشعر بانك حقيقي متوحد  بها و أن كلمات فرجينيا لسيت سوى ما يحدث داخل الصمت بين الدقائق و الثواني, ما الذي يقوله الناس لأنفسهم داخل هذه المسافات الحميمة الصغيرة من الصمت؟ فرجينيا ساحرة حقا حتى وصلت هناك. تقول أنه باستطاعتك أن تكتب أنت ايضا بهذه البساطة عمّا يدور ببال شخصيات متخيلة من النفوس البشرية, لكنك كاذب و ستكذب عندما تحاول الكتابة لن تضطلع بهذا التحدي الحقيقي  من الصدق التام و الشفاف, ستخذلك نفسك و ستكذب فقط لتكتب شيئاً و لا تظل صامتاً, فرجينيا تكتب عن هذا الصمت. كنت منسجمة حقا داخل عالمها المجنون النابع بين اكتئابها القطبي, فرجينيا تكتب عن اولئك النساء الهامشيات اللواتي لم يكتب عنهن أحد, فرجينيا تكتب عن تلك الخواطر الداخلية للشخصيات الإنسانية التي لم يلمسها أحد, فرجيينيا تضع الفاصلة كما لا يفعل أحد, فرجينيا تكتب كما لم يكتب أحد.

اعتقال

kafka

قسم الهندسة المدنية يذكرني بالمحاكمة لكافكا-أذكر اسمه مجددا للمرة المليون أنا أعلم!- فأنت تشعر بأنك متهم على الدوام بذنب لا تفهمه و لكنك تؤمن به, تركض من حجرة إلى أخرى داخل ممرات ضيقة مليئة بالأجساد البشرية المثرثرة التي تحشر نفسها  داخل الحجرات بلا أدنى مبالاة. مرتبط بالعديد من الأوراق التي يجبرونك على أن تعتقد بأنها مهمة لأن تعيش كالهواء الذي تتنفسه و يعطونك رقماً ل”قيدك” بكل صفاقة, أنت لست سوى الرقم 022134974 هناك, لا أحد يهتم بإسمك و من تكون و ما وراءك, كل ما عليك فعله أن تبريء تهمتك في أن تكون داخل القسم قبل كل شيء. هو باب مفتوح لك وحدك بجانبه مجموعة من الحراس, في كل مرة ترغب في الدخول يخبرونك أن الوقت لم يحن بعد, تمر الأيام و أنت تهرم و تنتظر دورك رغم أنك تعلم جيداً ان هذا الباب المفتوح من أمامك لك أنت وحدك, تجهد نفسك على تقبل الأمر و تستمر في التنقل بين الحجرات و ملء الأوراق و النماذج و المرور من محاكمة إلى أخرى من بين يدي مجموعة هائلة من القضاة المزاجيين الذين لا يفهمون قضيتك في كل مرة, و تعيد شرحها من جديد ..”أريد فقط أن أمر, أنا بريء من كل هذا, لم أفعل شيئا لتتم محاكمتي الشهر تلو الآخر”. لكن أولئك الذين يملكون بعضاً من أسرار المكان و الذين تجدهم في الزوايا يجمعون الأوراق المتساقطة أو يعيدون ترتيب أسماء المتهمين, أو يقفون في نهاية الممرات لمنح خبراتهم مقابل الأموال, يخبرونك بأنه لا وجود لحكم بالبراءة هنا, و ما عليك سوى أن تمضي حتى يأتي دورك لتخرج من الباب بنفسك دون مساعدة من أحد. تخشى أحيانا أنك لن تستطيع حمل قضيتك حتى النهاية مرورا بمحاكمة تلو الأخرى, إذ أن القسم يشتهر بعدم احتوائه على أي شكل من أشكال العدالة و لن تفيدك أي طعون. نستيقظ نحن كل صباح كما لو أن أحداً ما قد افترى علينا دون أن يكون من شأننا أن فعلنا شراً لنجد أنفسنا في رواق القسم نلاحق الدقائق حتى لا تغلق أمامنا الأبواب و نجري المحادثات التي لا طائل منها ..
“خيرك تأخير لتوا؟”
“الزح..مة..الطر..ي..ق..
“الساعة كم توا؟ قول؟”
“ال 8:07”
“و المحاضرة امتى؟”
“ال8:00”
“و علاش ما طقطقتش الباب؟”
“طقطقت انت ما سمع..”
“خش” يعقد حاجبيه, ينظر إلى أوراقه, يرفع رأسه, ثم يبدأ في الأنين حول المواعيد.
أين الطائل منها؟ ما زلت المتهم صاحب رقم 022134974 و من حق أياً كان أن يصب عليك الأسئلة المشككة في نواياك داخل القسم في أي وقت إذ أنك أحيانا قد تسعى بفضل قوى شيطانية ما في أن تحاول المرور بسرعة لتصل إلى نهاية الرحلة, حيث يقال بوجود قانون سري ما ينطبق على الغالبية بأن حياتنا داخل القسم تستمر مدة خمس سنوات + ن ..حيث ن عدد صحيح لا يساوي الصفر. أما القانون الآخر فهو الذي أخبرنا به كافكا حول المحاكمة أو القسم أو أي منظومة لا تجد من انتماءك إليها من بد : “المحاكمة لا تريد شيئاً منك, إنها تفتح أبوابها إليك عندما تأتي و تعفيك عندما تذهب.”

أول عملي-264

مفروض البنات يعرفوا يعجنوا والاه؟
قالها و أسفر عن ضحكة بدائية لرجل ظننت من فرط جدية طريقته في التدريس أنه لا يضحك أبداً, ضحكة تبدو كمجاملة للضحك ذاته, ثم عاد إلى وجهه الوقور ثانية.
ثم كان الدور عليّ, وجدت نفسي أقف وحيدة امام الطاولة و أمامي صينية ممتلئة بالإسمنت و من خلفي مجموعة من الشباب, نظرت في عيون الفتيات على الطرف الآخر من الطاولة, كنّ يشبكن ايديهن و ينظرن إلى شيء ما عالق في الهواء على الطاولة, ينأين بأنفسهن عن هذه التصرفات بشكل صريح. لا أمل, إنه دوري أنا.
“اعجني” ردّ صوت أحد المختصين بالأمر. غصصت يدي في القفاز البلاستيكي كبير الحجم, داعبت الحبيبات الرمادية ..تخيلت أنها مجرد دقيق الذي أحب أن ألعب بذراته قبل العمل عليه منذ الطفولة و حتى اليوم, انطلقت ذراع تمد لي صحناً موزوناً بدقة من الماء, اعلم جيداً انه 112 جرام من الماء, لذلك بدات أصبه في حذر, كل قطرة ثمينة, لكل قطرة وزن معلوم و لا يجب أبدا التفريط فيها.
ها هو الامر يحدث, أنا أعجن عجنة الاسمنت, أنا هنا بالكامل داخل الهندسة المدنية لا فرار بعد اليوم. أخذت أقلب الدقيق الأحرش مع الماء, لم يكن كأي شيء عجنته يوماً, لا كالتراب المبلل بالماء الذي طالما لعبت به و لا كالدقيق و الماء الذي أسيء عجنه, و لا عجينة الحنة, تلك التي أحب من دون كل العجائن. كان القوام ناعماً و لامعاً, كيف يلمع الاسمنت بلا زيت! بطريقة ما بدا لي الأمر جميلاً, ربما حتى قد كنت أبتسم و ان أدعك الكتل ببعضها, امتدت تلك اللحظة إلى الأبد اذ أنني أصنع بيدي المادة السحرية التي تصنع بيوت هذه المدينة, هي مادة هذه المدينة.. مدينة من الإسمنت كما أراها دوماً بجدران بيوتها المهملة من أن يتم طلاءها, و يظهر لون الاسمنت قاتماً في كل مكان تقع عليه عينك, الشوارع الأرصفة البيوت و البنايات غير المكتملة ..لون الرصاص وحده من يطغى.
إنتهى بي الأمر لأول تجربة لي مع الاسمنت-لا زال هناك المزيد- بيدين ملظختين بالسواد و روح تشتعل حماساً و رغبة في أن أحدث جميع أصدقائي و حتى الغرباء عن هذه التجربة, إذ انني رسمياً الآن ..أبدأ خطواتي في البناء.